"فاطمة السمرقندية".. الفقيهة بنت الفقيه زوجة الفقيه

د. شيماء ربيع

"فاطمة السمرقندية".. الفقيهة بنت الفقيه زوجة الفقيه

10:29 م الأربعاء 20 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: د. شيماء ربيع

عضو مركز الأزهر العالمى للرصد والافتاء الالكترونى

في القرن السادس الهجري، في كاسان إحدى مدن سمرقند من بلاد ماوراء النهر ولدت فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي.

يالها من بلاد بعيدة، فما السر وراء ذيوع صيت هذه المرأة حتى تخطت سيرتها بلاد ما وراء النهر، وطوت المسافات، وظلت كل تلك السنوات حتى وصلت إلينا؟!

فلنقترب قليلًا من ذلك البيت الذي ولدت فيه تلك الفتاة ولنتعرف على نشأتها، وما أحاطها من علم وثقافة.

أول من يطالعنا في بيتها هو أبيها [محمد بن أحمد] بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندى أستاذ صاحب البدائع شيخ كبير فاضل جليل القدر تفقه على أبى المعين ميمون المكحولى وعلى صدر الإسلام أبى اليسر البزدوى (المتوفى: نحو 540هـ)( )، هل عرفتموه؟ إنه صاحب (تحفة الفقهاء) ذلك الفقيه الذي ذاع صيته في الفقه الحنفي، حتى عُدَّ بحق عمود المذهب الحنفي، كان محمد بن أحمد السمرقندي ذا فقه واسع وبصيرة نافذة، لم يكن من أولئك الذين يقصدون السلاطين بعلمهم طمعًا في عطاياهم؛ بل إن ملوك زمانه قصدوه لينتفعوا بعلمه، و خطبوا وده رغبة في الزواج بابنته، ولكن يا تُرى لمن زوجها منهم؟

سنعرف أثناء حديثنا، ولكن دعونا الآن نقترب من فاطمة تلك الفتاة التي نشأت في دار يشع بالعلم ويكتظ بالفقهاء الذين يناقشون والدها، والمستفتين الذين يرغبون في معرفة الأحكام الشرعية، و المريدين من طلبة العلم الذين ينهلون من ذلك المنبع في الفقه الحنفي- وهو المذهب الذي ينتشر بكثرة في تلك البلاد- هنا وجدت فاطمة بغيتها، وأشبعت نهمها من طلب العلم.

لم يكن لمثلها أن تترك علم أبيها وتنشغل بما يشغل بنات جنسها من ترتيب مظهرها، وانتظار فارس الأحلام الذي يقدر جمالها- لم تكن بحاجة لذلك على كل حال، فقد اشتهرت بأنها أجمل فتيات عصرها-، فآثرت فاطمة أن تجلس بين يدي أبيها كأحسن ما يكون الطالب الذي يلازم شيخه لينتفع بعلمه.

إذن لم تكن فاطمة بمعزل عن تلك المجالس العلمية، ولم يكن أبيها ليقصيها في خدرها ويحرمها من الانتفاع بفقهه وعلمه.

ومازالت فاطمة تنهل من علم أبيها، و لم تكتف بدراسة الفقه فقط، بل توسعت في طلب العلوم، فدرست الحديث، ودفعتها ذائقتها الأنثوية إلى تعلم فن الخط، حتى اشتهرت بجمال خطها، وكان أبوها يدفع إليها صكوك الفتاوى لتوقع عليها بخطها الجميل بجانب اسم أبيها.

هكذا اكتملت تلك الفتاة كأحسن ما يكون، حتى صارت أمل كل شاب في مدينتها، بل إن الملوك والأمراء كانوا يتنافسون في خطبتها.

ولم يكن أباها الذي تشبع بالفقه ليزن الأمور بميزان الجاه والمال كما يفعل أهل الدنيا، ولكنه ادخر ابنته فقط لمن يقدرها ويزنها بما تستحق.

ولكن من ذاك الذي ينتظره الشيخ السمرقندي ليهدي إليه ابنته وقد تقدم له الملوك والأمراء فلم يزنوا ما امتازت به من صفات؟!

هناك، في زاوية من مجالس الشيخ، يجلس شاب يبدو أنه مهتم بكل ما يقليه شيخه، ويدونه بعناية، حتى بلغ إعجابه بشيخة أن قام بشرح تحفته التي يعتز بها الشيخ السمرقندي في مؤلف ضخم أسماه( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)، ياله من تلميذ نجيب، هل عرفتموه؟ إنه علاء الدين الكاساني، من أعظم فقهاء الحنفية.

عرض الكاساني ذلك الشرح على شيخه؛ فسُرَّ به كثيرًا، واستحسنه.

ولعله قدَّم أعظم مهر يليق بفتاة لا يغريها الذهب، بل تكنز العلم.

إنه هو إذن من يبغيه الشيخ السمرقندي زوجًا لابنته، ولكن هل ترضى به فاطمة التي لم يغيريها أعظم الملوك؟

كان لفاطمة رأي آخر فهي أجدر من يقدر العلم والعلماء، فقد وزنته بميزان العلم الذي لا يدانيه أعظم كنوز الدنيا.

وهكذا تزوجت فاطمة من الكاساني الفقيه الحنفي ذو الأثر البالغ في المذهب، علاء الدين أبي بكر صاحب البدائع وكانت تفقهت على أبيها وحفظت تحفته وكان زوجها يخطئ فترده إلى الصواب وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها فلما تزوجت بصاحب البدائع كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها، حتى قال أهل عصره (شرح تحفته فزوجه ابنته).

لم تتوقف حياة فاطمة عن هذا الحد، فلم يكن طلبها للعلم رغبة في الظفر بزوج على قدر عالٍ من الصيت والعلم؛ بل إن طلبها للعلم منهاج حياتها تشبعت به نفسها، وصار رفيقًا لها، فأخذت في مواصلة العلم والتعليم؛ حتى صارت أشهر نساء زمانها في الفقه، وتصدرت للفتيا، وبلغ من إتقانها أنها كانت ترد زوجها وتصوِّب له بعض المسائل التي قد يَهِمُ فيها، ولم يكن الكاساني بالزوج الذي يغار من نجاح زوجته- وهذا حال العالم بحق الذي يثق بعلمه ويتواضع أمام كل ذي علم- فأوسع لزوجته وشاركها معه في الرأي حتى إن صكوك الفتيا كانت لا تصدر إلا بعد أن توقِّع عليها فاطمة وتجيزها.

رافقت فاطمة زوجها في أسفاره، حتى استقرَّ بحلب، وهناك كان نور الدين محمد بن محمود زنكي سلطان حلب في ذلك الوقت، وقد عرف قدر فاطمة السمرقندية حتى إنه كان يستفتيها في العديد من المسائل التي تعرض له؛ لعلمها ورجاحة عقلها.

يالها من امرأة عالمة، وابنة نجيبة، وزجة بصيرة.

وهي مع علمها وفقهها لم تهمل حظها من المشاركات الاجتماعية، ولم يفتقدها هذا المجال؛ فقد كانت فاطمة السمرقندية أول من سنَّ إعداد موائد الإفطار للفقهاء بالحلاوية، حيث باعت سوارين كانا بيدها و صنعت بثمنهما طعامًا لإفطار الفقهاء في كل ليلة، واستمرت هذه العادة إلى يومنا هذا.

وبهذا ضربت فاطمة السمرقندية أصدق الأمثلة للمرأة المسلمة، التي تجمع بين العلم والتعليم والفتيا والعمل والتأليف.

توفيت فاطمة السمرقندية سنه 581هـ ودفنت بمسجد إبراهيم الخليل (عليه السلام) بحلب، وكان زوجها لا ينقطع عن زيارتها كل ليلة جمعة إلى أن مات بعدها بـ 6 سنين سنة 587هـ وأوصى أن يدفن بجوارها بالمسجد.. رحمهما الله رحمة واسعة.

فيا ليتنا نمتثل شيئا من سيرتها، وياليت لنا بعض ما تركت من أثر.

رحم الله الفقيهة بنت الفقيه زوجة الفقيه.

إعلان

إعلان