"رَمضَان تَنْبِهْنَامَسِي".. سبيل عصائر وتراويح وأراجوز بأمر السلطان

05:53 م الأحد 27 مايو 2018

كتب- هاني ضوه:

رمضان عبر التاريخ له مكانة خاصة في نفوس الحكام والشعوب مهما اختلفت البلدان، لذا نجد أن المؤرخين قد رصدوا في كتبهم كيف كان الناس يحيون أيام الشهر الفضيل عبر العصور المختلفة.

واليوم نتناول في موضوعنا هذا مظاهر شهر رمضان المبارك إبان حكم الخلافة العثمانية التي حققت توسعًا كبيرًا وفتحت بلدانًا كثيرة في الشرق والغرب.

كان لرمضان في ظل الدولة العثمانية مكانة خاصة واهتمام كبير من قبل السلاطين وعامة الشعب، وكانت الاستعدادت لهذا الشهر المبارك تبدأ قبل فترة من حلوله، فكان رئيس الفلكيين في القصر السلطاني يقوم بتحضير إمساكية رمضان قبل حلول الشهر المبارك بخمسة عشر يومًا، أو قبل انتهاء شعبان بعشرة أيام، وكان يقوم بتقديم الإمساكية أولًا إلى السلطان والصدر اﻷعظم، ثم إلى بقية الأشخاص المهمين من رجال الدولة.

ومع دخول شهر رمضان كان السلطان العثماني يصدر وثيقة تنظم الأمور طوال الشهر وعرفت باسم "رمضان تَنْبِهْنَامَسِي" أو "وثيقة تنبيهات رمضان"، فكان السلطان ذاته هو مَن كان يقوم باختبار واختيار نوعية القمح الذي سيُصنع منه الخبز في شهر رمضان المبارك، وكذلك هو مَن كان يقوم بتحديد وزنه وكمية الملح التي تضاف إليه. حتى إنه كان يختار نوع الحطب الذي يتم حرقه في طهي هذا الخبز، وإذا نال هذا الخبز إعجاب السلطان وأهل الخبرة في القصر، تبدأ الأفران بخبزه وبيعه إلى الأهالي والصائمين.

ليس ذلك فحسب، بل كان السلطان هو من يختار كذلك نوعیة الطعام، وقبل حلول شهر رمضان بـ 15 يومًا كان السلطان يشكل لجنة لمراقبة الأغذية في الأسواق وعند التجار.

لا زيارات إلا بإذن أو دعوة

حتى الآداب العامة كان السلطان العثماني حريصًا على أن يضمن سيرها على أكمل وجه، فكان يأمر بتشكيل لجنة تسمى لجنة "الوعاظ"، مهمتها التنبيه على الأهالي في المساجد، وألا يزور أحد منزلًا دون إخبار صاحبه أو دون دعوته إياه، وألا يقوم أحد بتناول الأطعمة أو المشارب في الشوارع، وأن يحرص الناس على الصلوات الخمس جماعة في المساجد، وأن يبذلوا كل ما بوسعهم لنيل بركات هذا الشهر المبارك وفضائله، ثم يُطلب من الأهالي أن يدعوا إلى الدولة العثمانية بالخير والفلاح، وإلى الأمة الإسلامية بالفوز والنجاح.

سبيل العصائر وموائد الميادين

من الأمور اللافتة في ظل الدولة العثمانية حرصهم على الرعية، فكان العثمانيون يقدّمون في شهر رمضان أنواع المشروبات العثمانية من عصائر وغيرها من خلال صنابير السبيل الموجودة في الميادين الرئيسية بدلًا من المياه، مثال على ذلك، المشروبات التي كان يتم ضخها من صنابير ميدان السلطان أحمد عام 1898.

أما موائد الميادين فقد كثرت وانتشرت في العهد العثماني، وذكر المؤرخون أنه كان يتم تنظيم تحضيرات فعالة في الميادين الكبيرة، مثل ميدان بايزيط، جيمبرلي تاش، سلطان أحمد، وكان الناس في رمضان يتجمّعون في مكانين أساسيين هما الجوامع والميادين.

وكانت توضع موائد طعام كبيرة في الميادين، وكان هناك الكثير من الأغنياء، وعلى رأسهم السلطان، يساهمون في دعم هذه الموائد.


اسمك على ملعقتك

كان العثمانيون يحرصون جدا على عدم حدوث تفرقة طبقية بين الأغنياء والفقراء، ولمنع هذه التفرقة كانوا يضعون على كل مائدة عامة اسماً من أسماء السور المباركة للقرآن الكريم، مثل مائدة ياسين أو مائدة تبارك أو مائدة البقرة ... إلخ.

كما كانت تكتب أسماء الناس المدعوة على ملاعقهم وتضع هذه الملاعق بسلة تكون هذه السلة خاصة بمائدة معينة ويتم تصنيف الأسماء بشكل متعمد بحيث يجلس الغني بجوار الفقير.

وكان صاحب البيت يستقبل ضيوفه بهذه السلة التي يأخذ كل ضيف ملعقته منها بعد قراءة اسمه عليها، كما كان يكتب اسم المائدة فوق الملعقة لذا كان كل ضيف يجلس حسب اسم المائدة الموجود فوق المعلقة؛ وبهذا الشكل كان يُقضى على التفرقة الطبقية.

وكانت الملاعق خشبية ومع الزمن تصبح عتيقة، ولحساسية العثمانيين الدينية كانوا لا يرمون الملاعق بل يأخذوها ويحرقوها بعناية وبعد ذلك يدفنون رمادها تحت جذور الورود في الحدائق.


أجر الأسنان

كان التنافس شديدًا بين كبار رجال الدولة العثمانية والأغنياء على فتح أبواب بيوتهم وقصورهم لعامة الناس لكي يفطروا فيها وقت المغرب على مقاعد خصصت لهم، ليس ذلك فحسب بل كان يُقدم لهم بعد الانتهاء من الطعام هدية، وكانت تسمى بـ "أجر الأسنان"؛ بسبب إجابة الناس للدعوة مما يُكسب صاحب الدعوة الأجر والثواب.

وتؤكد المستشرقة والكاتبة الإنجليزية "دورينا نيڤ" التي قضت 26 عامًا من حياتها في إسطنبول على استمرار هذه العادات في رمضان بالمدينة حتى نهايات القرن التاسع عشر في عهد السلطان عبد الحميد الثاني [حكم من 1876 حتى 1909] بقولها: "وحدث أن قمنا بزيارة إلى الأسواق أثناء رمضان، وفي هذا الموسم نجد أن الأتراك يصومون طوال النهار، ويحتفلون طوال الليل، وكان أفراد الطبقة الثرية يضطرون إلى فتح أبواب منازلهم طوال الشهر لإطعام أي شخص بحاجة إلى الضيافة من فترة غروب الشمس وحتى بزوغ فجر اليوم الجديد"

التراويح بحضور السلطان


كان السلطان العثماني وكبار رجال الدولة حريصين أشد الحرص على حضور صلاة التراويح، وفي ليلة القدر كان السلطان والوزراء ورجال الدولة يقيمون صلاة هذه الليلة المباركة في جامع آيا صوفيا خاصة، ويأمرون بإضاءة الأنوار والمشكاوات الملونة بشكل كبير وواسع في الطرقات، وفي ساحة ميدان الطوبخانة بإسطنبول.

وفي القرن الثامن عشر عام 1759 استحدث السلطان مصطفى الثالث [حكم من 1757 حتى 1774] في البلاط العثماني "مدرسة قرآنية" لحضور دروس في تفسير القرآن طيلة الشهر المبارك بحضور السلطان، الذي يجلس ليستمع إلى تفسير الآيات من علماء عصره، خاصة من تفسير البيضاوي الذي كان يُفضله علماء الدولة الأحناف، وهو اﻷمر الذي استمر حتى نهاية الدولة.


الأراجوز بعد التراويح

بعد الإفطار وصلاة التراويح كانت تنتشر في ربوع الدولة العثمانية عادات ترفيهية يحرص الناس على حضورها في الميادين العامة والشوارع الرئيسية، فظهرت عروض "الكاراجوز" أو ما نعرفه نحن في أيامنا هذه بـ"الأراجوز".

وظهر "الكاراجوز" لأول مرة في عهد السلطان بايزيد الأول في القرن الرابع، فكانت تعرِض كل يوم قصة مختلفة لمدة 28 يومًا حتى الانتهاء من الشهر، وعُرف من هذه الشخصيات الكرتونية ما يقرب من 50 أو 60 شخصية مختلفة، مثلت طبقات وأعراق المجتمع العثماني، في مجموعة من القصص المتنوعة.

* مصادر:

"نوادر العثمانيين مواقف وأحداث من التاريخ العثماني" د. عبدالرازق أحمد محمد.

"الدولة العثمانية تاريخ وحضارة" كتاب بحثي مترجم لعدد من المؤرخين الدكتور عبد القادر أوزجان، والدكتور فريدون أمجان، والدكتور إلبير أورطايلي، والدكتورة ليلى الصباغ.

موقع تركيا بوست.

إعلان

إعلان

إعلان