إعلان

حُطام الحرب الغارقة في مصر.. فصل من سجلات الحرب العالمية الثانية

كتب : مارينا ميلاد

12:16 م 27/11/2025 تعديل في 24/06/2026

تصميم توضيحي - حطام الطائرة والسفينة الغارق في مصر

تابعنا على

قصة - تصميم: مارينا ميلاد

بين شَهري يونيو وأكتوبر عام 1941، كانت مصر مسرحًا لوقائعِ الحرب العالمية الثانية الدائرة بين دول الحلفاء بقيادة بريطانيا ودول المحور، وعلى رأسها ألمانيا.

ما بين الإسكندرية، أهم قاعدة للأسطول البريطاني في البحر المتوسط، وسواحل سيناء، حيث الطريق إلى قناة السويس، جرت اثنتانِ من أعنف المعارك التي شهدتها طوال الحرب، وتركت أثرها حتى الآن في الأعماق، حيث طائرة هينكل 111 الألمانية وسفينة ثيستليجورم البريطانية، أحد أعظم حطام السفن في العالم. اغطس من هنا... لقراءة القصة أو تصفحها بالأسفل.

______________________________________________________________________________________

مصر - 1941

عند الحادية عشرة مساء، تحلق الطائرة الألمانية فوق الإسكندرية، ينعطف قائدها بحدة، ثم ينخفض تدريجيا باتجاه الميناء. ويقرر إلقاء بضع قنابل على المشهد الهادئ ليرى إن كانوا قادرين على إثارة عش الدبابير.

"انتظروا فقط أيها الوحوش، سنريكم من هو سيد السماء. 'أطلق النار – الآن!"، هكذا يردد لطاقمه.

وبجوار القمر العملاق الذي يعكس ضوءه على قمم جبال سيناء، كانت طائرة ألمانية أخرى من نفس الشكل والنوع، تقف أعلى سفينة بريطانية ضخمة، ترسو مختبئة في البحر الأحمر.. يراقب الطيار أفراد البحرية النائمين على سطحها ثم يضغط على زره، ويضربها بقوة في منتصفها. فيتناثر ما عليها من ذخائر ومعدات يمينًا ويسارًا.

يركض أفرادها بهستيريا وغضب، يصرخون حتى بُحّ صوتهم: "أين سفينة الحراسة؟.. لماذا لم تنهبنا؟". وقت فرارهم ينفذ: إما القفز في بحر ملئ بأسماك القرش أو البقاء في سفينة تحترق.

بعد نحو عشرات سنوات، يغطس المستكشف الفرنسي جاك كوستو في مياه البحر الأحمر، قبالة سواحل شرم الشيخ، ليتحقق من معلومة بلغته من صيادين محليين عن حطام غامض وجدوه بالصدفة ويبدو مهمًا. ينزل "كوستو" بلا توقعات عظيمة إلى عمق نحو 20 متراً وسط مد قوي. وبعد ثوانِ، يتجمد مكانه، لا يصدق ما يراه حقيقة: "يا له من كنز رائع!".

فهو يقف أمام ما أصبح "واحداً من أعظم حطام السفن في العالم"، قد صار مكتشفه في تلك اللحظة.. إنه حطام السفينة ثيستليجورم، التي كانت في طريقها بإمدادات عسكرية إلى القوات البريطانية في الإسكندرية عام 1941، في ذروة الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنهي طريقها وقصتها بالكامل طائرة ألمانية من طراز "هاينكل هي– Heinkel He 111".

"هاينكل" التي تركت بصمتها السيئة والمرعبة في أعنف غارات وقعت على الإسكندرية. ثم سقطت هي الأخرى على مقربة من ضحيتها ثيستليجورم، فصار الخصمان في المكان نفسه تقريبًا طوال 83 عاما!.. سنوات طويلة، تبدل فيها عشرات الغطاسين مثل "كوستو" أمام ثيستليجورم، وقفوا بنفس الذهول. وقد بدا جسمها الغارز في البحر جزءًا منه، غامضة وساحرة رغم انتهاكها، تسحب الجميع إلى عالمها وزمنها، فيحاولون تخيل ما وقع لها بفعل هذه الطائرة الألمانية في ليلة من أعنف ليالي الحرب في مصر؟

البريطانيون في حالة فرار. يجب ألا نعطيهم أي فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم. يجب أن نركز كل قوتنا، خاصة القوات الجوية الألمانية، في نقطة حاسمة واحدة. وهذه النقطة هي هنا في مصر

رومل – مؤتمر سيدي براني، مرسى مطروح – من مذكرات حرب القوات الجوية الألمانية

إلى الإسكندرية

كان الزجاج مغبّشًا، والملازم "دورينغ" ينظر منه إلى المدرج في جزيرة كريت حيث كان متمركزًا، وإلى طائرته هاينكل هي 111. سحب سيجارة تلو الأخرى، يفكر فيما ينتظره خلال هذه الليلة، التي قد تنقلب في أي لحظة، تمامًا كما هي حياة أي طيار في سلاح الجو الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية.

يحاول أن يختبئ نوعًا ما، ولا يظهر عليه القلق أمام أحد، خاصة أنه "الطيار المتحمس للمعارك دائمًا"، كما يصفه زملاؤه، ومن المفترض أن طائرة هاينكل لعبته وقد تكون امتدادًا لشخصيته أيضًا، فهي السلاح الجديد ضد الحلفاء (بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة).. قاذفة قنابل بعيدة المدى القادرة على الطيران لمسافة أبعد بحمولات أثقل.

ماذا سيحدث الليلة؟ هناك شائعات تنتشر بأن هجومًا كبيرًا على قواعد بريطانية يبدو وشيكًا.

لم يطل انتظار "دورينغ" حتى جاءته الأوامر. تم استدعاؤه من قائد المجموعة، الذي يبدو جادًا بشكل غير معتاد وهو يطلعه على الخرائط، ويخبره بمهمته: "العثور على القطع الحربية الإنجليزية المصطفة بميناء الإسكندرية والمخازن وتدميرها". فبالنسبة للقوات الجوية الألمانية، كما جاء في مذكراتها، "ازدادت قوة بريطانيا من قواعدها الكثيرة والمشيدة بدقة في مصر".

تحقق "دورينغ" من تفاصيل رحلته التي قد تستغرق ساعة تقريبا ليقطع نحو 550 كم جوًا. اجتمعوا في وسط الساحة ثم صعد مع أفراد طاقمه الأربعة إلى طائرتهم الهاينكل. كان الوقت هو التاسعة والنصف مساءً.

كل طاقم إلى طائرته. وتم الإبلاغ من غرفة التحكم الأولى أن "الجو صافٍ".

هناك الكثير من الأفكار كانت تمر في ذهن "دورينغ": "هل ستستطيع طائرتي المحملة بهذا الكم من الذخيرة والقنابل الإقلاع بسلاسة في هذا الظلام الدامس ومن هذا المطار المثير للشفقة؟، هل ستصيب أهدافها؟..

لا أريد التفكير في الفشل!، يجب أن ينجح الأمر!".

في الدقيقة التالية، تحركت الطائرة هاينكل على المدرج غير المستوي، والصليب الألماني مرسوم في الأسفل وأعلى كل جناح، ثم أقلعت باتجاه الإسكندرية.

في نفس الوقت، صعد غليـن أوين، الشاب الصغير، المرتدي زي البحرية الملكية، على سلم سفينة إس إس ثيـستليـجورم البريطانية الراسية في غلاسكو. تلك السفينة المهيبة والحديثة التي أتمّت ثلـاث رحلات تجارية فقط بعد إطلاقها: الأولى للولايات المتحدة لجمع قضبان صلبة وقطع الطائرات، الثانية إلى الأرجنتين لحصاد الحبوب، والثالثة إلى جزر الهند الغربية لجلب الروم.

وكانت مهمة "غليـن" معها أن يكون بحارًا ومدفعيَا ضمن تسعة مدفعيين، يتولون أمر الأسلحة. فتجوّل على سطحها المزدحم ليتعرف عليها، فهي ليست سفينة حربية مثل الـسفن التي تدرب عليها إنما سفينة تجارية مجهزة دفاعيًا، بمعنى أنها لا تهاجم، إنما تدافع فقط.

بين مخازنها المرقمة، تتراصّ كابلات وقاطرات تخصّ سكك حديد مصر وهياكل طائرات وقطع غيار، غير ما يظهر من العنـابر من معدات عسكرية. فالمطلوب منها وطاقمها المكون من 48 فردًا تقريبًا، أن تنقل هذه الإمدادات إلى الإسكندرية، ومنها إلى القوات بالصحراء الغربية، وهم جزء من قوات الجيش البريطاني الثامن.

انطلقت صافرتها وأبحرت بقيادة الكابتن ويليام إليس وسط قافلة من 20 سفينة أخرى تقريبا؛ "في وقت كانت الحماية الممنوحة للقوافل قليلة جداً لأن عدد السفن التي يمكن للبحرية توفيرها لم يكن كبيرًا"، كما يحكي "غلين"، وهو يطل من جانبي السفينة على القافلة.

تشير أجهزتها إلى أنها تتحرك بسرعة حوالي سبع عقدات، أي حوالي ثمانية أو تسعة أميال في الساعة، وستستغرق رحلتها أطول كثيرا من العادي، فهي لن تسر في خط مستقيم، لكنها ستلتف وتسير متعرجة في هذا الاتجاه وذاك حسب المناطق الآمنة حتى تصل ببوصلتها إلى الإسكندرية.

المعركة

الرؤية باتت ضعيفة بعد وقت قليل من الإقلاع؛ ما يجعل ظروف الطيران ليست مثالية أمام "دورينغ" الجـالس في قمرة قيادة قـاذفة "هاينكل" الزجاجية ويرتدي سماعة الرأس. لكنه طالما تمسك بعقيدة سلاح الجو الألماني، الأكبر والأقوى في أوروبا حينها: "سنمضي قـدمًا، شد الأحزمة وواصل الطيران، مهما كان"، وهو شعار طائرتهم اليوم.

كانت حمولة "هاينكل" كارثية، فترافقها قنبلتان تزن كل منهما سبعمائة رطل (317 كيلو تقريبا)، جهاز شديد الانفجار وقنبلة نفطية ثانية مصممة لنشر النيران وإحداث أقصى قدر من الفوضى على الأهداف التي ستكون تعيسة هذه الليلة.

وما إن يحدث ذلك، سَرح "دوريـنغ" مع نفسه قليلا، في صور متلاحقة ومشوشة لزوجـتـه وبرلين وهتلر، وكأنه يفكر في سبب كل ما يفعله. فالرجل المولود عام 1918 في بروسيا الشـرقية (وهي اليوم جزء من بولندا)، لما استُدعي للخدمة قبل عامين، استعد لما يصفه بـ"عصر جديد لألمانيـا بعد معاناتها في الحرب العالمية الأولى"، كما أقنعهم "هتلر". فوالده أيضا كان مقاتلاً بالحرب العالمية الأولى، ولم يغب عنه يومًا "تلك الأشياء الفظيعة والمروعة التي أخبره بها"، كما يصفها.

لايزال "دورينغ" يتذكر يوم بدأت الحرب، حين كان هتلر يقول في الراديو: "إن البولنديين هاجموا محطة إذاعية ألمانية والآن. نحن نرد!"، الذريعة، التي غزا بعدها بولندا، ومنها إلى العالم.

وهي الحرب التي جعلت "دوريـنغ" يترك زوجـتـه بعد أشهر من زواجهما. تذكر رحلاته الممتعة معها بالترام عـلى طول شارع كوبنيكر باتجاه حديقة تريبتور وصدمتهما من صافرات الإنذار، وعندما سقطت قنبلة معادية بالقرب من بيتهم، وذلك الرجل الذي يعرفه واتُّهم بـ"تخريب المجهود الحربي والانهزامية"، وحُكم عليه بالموت لمجرد أنه قال رأيه السلبي بالحرب. تلك اللحظة التي أدرك فيها "دورينغ" أن شعار المرحلة "قل كلمة خاطئة وأنت ميت لا محالة!"، فتردد في عقله على الفور ذلك الصوت الذي يهتف به الناس: "الفوهرر هو الأعظم، سنربح سنربح!".

ظلت السفيـنة ثيستلجـورم تناور لتـتـفادى نشاط الغواصات الألمـانية، وهو "أكثر ما يخيف طاقمها"، كما يقول "غلين".

فبعد أن غادرت بأيام، في طريقها نحو جبل طارق، تعرض جزء من القافلة للهجوم. لكن لحسن الحظ، لم تتعرض هي لأي حوادث على الإطلاق لدرجة جعلت رحلتها "مملة" إلى كيب تاون، حسب وصف "غلين"، وهي أول ميناء رسو بعد 37 يومًا.

نزلوا منها يتمايلون مثل السكارى بعد كل تلك الفترة في البحر، واحتفل "غلين" بعيد ميلاده الحادي والعشرين هناك، متأخراً بخمسة أسابيع!، وربما كانت أفضل هداياه هي السجائر!. فيضحك وهو يصف لزملائه: "كيف صاروا في مرحلة التسول بسبب لفائف السجائر التي يشاركونها مع ضباط السفينة!".

وعلى الرغم من أنه ضمن طاقم البحرية الملكية، إلا أنهم وقعوا على عقد السفينة بصفة "عمال سطح" ولهذا تم دفع مبلغ ضئيل لهم. فقط ستة بنسات (فئة من العملات المعدنية) في اليوم لتغطية نفقات الرسو في أي ميناء، بالإضافة إلى الأجر البحري العادي، والذي كان يبلغ حوالي 30 شلنًا في الأسبوع.

أسند "غلين" رجليه على كومة من الأخشاب بالميناء، وحوله زملاؤه الذين كانت أعمارهم بين 16 أو 17 عاماً، بعيدًا عن الآخرين الكبار في السن والقبطان "ويليام" بالطبع.. معظم هذا الطاقم من الشمال الشرقي لبريطانيا، وأحدهم من مدينة لانكشاير، فكانوا مفتونين بلهجته وعادةً ما يطلبون منه التحدث، ليضحكوا عليها.

ثم استلم "غلين" دفة الحوار وأخذه إلى الحياة في لندن، حيث بيته وعائلته، وإنهم حتى قبل الحرب بيوم، كانوا على يقين أنها "يُمكن تجنّبها في اللحظة الأخيرة".. وأنه نفسه، وهو يتدرب على الغوص واستخدام الأسلحة، لم يتأثر بموجات التشاؤم التي تفرض نفسها على من حوله. ثم تبدل كل شيء؛ ذات يوم سمعوا خطاب نِفيل تشامبرلين (رئيس الوزراء) بالإذاعة، وهو يقول "إن بريطانيا في حالة حرب"، وتبعه النشيد الوطني. فجلس هو والعائلة كلها في صمت طويل.

يحكـي وهو يبتسم بسخرية عن نداء: "اذهب إلى القبو، اذهبوا إلى القبو!"، وعن ذهابه إلى بيته في الظلام،

وعن بائع الجرائد "كريستوفر" الذي كتب بأحرف كبيرة على حائط الشارع "الملل!" لاعتراضه على محاولة الحكومة لإغلاق دور السينما في بداية الحرب.

قطعهم نداء زميلهم، الذي طلب منهم الذهاب إلى السفينة التي تستعد لتفك حبالها وتتحرك.

نهضوا جميعًا، ومازح "غلين" زميله بحركة مفاجئة ليخيفه، ثم قال له ضاحكا: "إنه البليتز!".

ويقصد بـ"البليتز"، أي الهجوم الخاطف، الاسم الذي أُطلق على الطائرات الألمانية التي تشن هجومًا مكثفًا وسريعًا ثم تختفي مثل طائرة "هاينكل".

عند الساعة الحادية عشرة مساء، طارت "هاينكل" فوق الإسكندرية، لتصنع هجومها الخاطف، وعلى ما يبدو، لن يكون خاطفًا هذه المرة.

على ارتفاع حوالي 2000 متر، يدور "دورينغ" بالطائرة حول عدة مواقع عند منطقة الميناء ليحدد أهدافه. فمنذ بداية الحرب، أصبحت الإسكندرية قاعدة للأسطول البريطاني فى البحر المتوسط بل أكبر قاعدة عسكرية فى نطاقه، واستخدمت بريطانيا المطارات المصرية وخط حديد إسكندرية – مطروح، والطرق البرية أيضًا، وحرموا دول المحور (ألمانيا وإيطاليا وحلفاؤهما) من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، لخنق إمداداتهم للقوات في شمال أفريقيا.

أسفل "دورينغ"، كانت صالونات المدينة التي تسيطر عليها المناقشات السياسية تتحدث "أن دول المحور، وصلت إليها أخبار بالقطع الحربية الإنجليزية الموجودة بالحوض الناشف بالإسكندرية للإصلاح، وكانت الأخبار مبالغة بعض الشيء، فقيل إن عددها بلغ خمسًا والحوض لا يسع ذلك من الأساس. وبلغها أيضا أن بالميناء أكثر من 11 قطعة بحرية يونانية، ولأن القطع تحت الإصلاح، فلابد أنهم أدركوا أنها هدف سهل".

وقد كان. وتقدم "دورينغ" بطائرته "هاينكل" الدفعة الأولى للغارات الألمانية على الإسكندرية. وعليه إلقاء أحمالها على القطع الحربية أولا، ثم أهداف منثورة في نواحة المدينة كأهداف البترول، وقواعد المدافع المضادة، وأي معسكرات للإنجليز أو مخازن وخط السكة الحديد.

وفي لحظات، اشتعلت النيران في الميناء، واختبأت الطائرة في السحب. يبدو "دورينغ" هادئًا تمامًا، فاجتاز من قبل عمليات ليلية مثيرة، وفي إحدى المرات، أصيب أحد محركات الطائرة، وتناثرت القذائف على هيكلها، وأحدثت ثقبًا في أحد الأجنحة. وفي كل مرة، كان يتمكن من العودة بطائرته "الهاينكل" المتضررة

إلى القاعدة. في حين العديد من زملائه لم يكونوا محظوظين.

يستحضر ذلك الآن ويحاول أن يسيطر على أي قلق داخله بالاستمتاع بالإثارة والدراما المكثفة بعكس زملائه من الطيارين الأخرين الذين كانوا منهكين تمامًا بسبب الكم الهائل من الطيران والغارات، خاصة أن عملية بربروسا، وهي الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي، قد بدأت.

"افتحوا الأبواب!" يصرخ زميله الذي يوجه القنابل بالطائرة، فيسحب "دورينغ" الرافعة بسرعة، ثم يقول له الآخر: "إلى اليسار قليلًا - المزيد! توقف! ارجع للخلف - جيد، هذا جيد... مرة أخرى، إلى اليسار قليلًا... القوة الكاملة! انتباه! القنابل تسقط!"

اندفعت القنابل نحو أهداف لم يكن "دورينغ" واثقًا من دقتها. وما يحدث على الأرض الآن، جعل كل ما وقع منذ دقائق مجرد بروفة للجحيم الذي اندلع لاحقًا.

في جزء آخر من البحر، واصل "غلين" الرحلة مع سفينته "ثيستليجورم" بعدما غادروا كيب تاون. أيام قضاها "على أعصابه" مع بقية الطاقم بسبب الطائرات الألمانية التي كانت تُرسل من قواعد في خليج بسكاي. فيتناوبون الحراسة على مدار 24 ساعة: ثماني ساعات راحة، وأربع ساعات عند مدفعه "لويس" للمراقبة، ويصيح فيمن حوله: "هذا أكبر كابوس لنا في البحر غير غواصاتهم!".

فهذه الطائرات وبالتحديد "طائرات فوك-وولف كوندور (Focke-Wulf Condor)"، وهي طائرات ألمانية ضخمة بأربع محركات، كانت تدور على مسافة قريبة منهم لترصد القافلة طوال اليوم وتبلغ بموقعها؛ ما جعل "غلين" يردد لهم نكتة قديمة: "ثيستليجورم سترسل إشارة إلى الألمان: من فضلكم لُفّوا في الاتجاه الآخر، لقد أصبنا بالدوار!".

كان يقضي وقته في تدريب بعض من رجال البحرية التجارية على المدافع وتمرير الذخيرة منها لمساعدته وزملائه المدفعيين، فعددهم ليس كافيًا لتشغيل جميع مدافع السفينة. وفي الغالب، كان تسليحهم موجّهًا ضد الطائرات، التي تحلّق على ارتفاع منخفض؛ لأنه لم تكن لديك فرصة حقيقية ضد الغواصة. فجميعهم يدركون أن "الغواصات الألمانية أفضل بكثير منهم". وخوفهم منها جعلهم لا يرمون أي شيء في البحر طوال رحلتهم، لأنه بالطبع قد يكشف موقعهم لأي غواصة.

وفي ساعات الراحة، لم يكن "غلين" يفعل شيئًا سوى الأكل والنوم وكتابة رسائل لأهله لإرسالها بالبريد عندما يصل إلى أي ميناء، لكن غير مسموح له الاحتفاظ بـ"مفكرة" تحت أي ظرف من الظروف، تحسباً لوقوعها في أيدي العدو!..

يلعب الورق والدومينو أحيانا، ويحل الكلمات المتقاطعة في أحيان أخرى. لا شيء لديهم غير الغراموفون؛ حتى الراديو، لا يمكنهم استخدامه، لأنه "يعطي موقعك للعدو!". والأخبار الوحيدة التي بإمكانهم الحصول عليها كانت تأتي من عامل اللاسلكي إذا التقطها. "إنها حياة مملة!"، كما يصفها.

استقروا فترة قصيرة في عدن، ومنها إلى قناة السويس المغلقة في ذلك الحين. ولكن قبلها، أمام الطرف الجنوبي لشبه جزيرة سيناء، كان هناك مجموعة من الجزر، جزر صغيرة، كانت تستخدم كمنطقة رسو – يُفترض أنها نقطة آمنة.

جاءتهم الأوامر من القافلة أن تبقى "ثيستلجورم" مكانها حتى تأتيها إشارة للمُضي قُدمًا، لأنه في ذلك الوقت كانت بورسعيد/ بورتوفيق تتعرض للهجوم من قبل قاذفات القنابل الألمانية القادمة من كريت. وهذا التأخير لم يكن في حساباتهم، فالجيش البريطاني في أمس الحاجة إلى حمولتهم.

ومن مكانه، رأى "غلين" باخرة ركاب كبيرة محترقة، وهي الباخرة (RMS Steamship)، فقد تعرضت للقصف الألماني. ولأول مرة، يساوره الخوف أن يكون هذا مصيرهم!

ارتدوا السراويل القصيرة والصنادل وشيئًا على رؤوسهم لتجنب ضربة الشمس.. وظلوا على هذا الحال ما بين عشرة أيام إلى اثني عشر يومًا، يستخدمون كل أنواع الحيل لتمضية الوقت، حتى إنهم يلتقطون صورًا لبعضهم البعض. وفي الخلفية، كان يحرسهم طراد تابع للبحرية الملكية اسمه سفينة (HMS Carlisle) بـ24 مدفعًا، ودوره تحذيرهم إن اقتربت أي طائرة معادية إما بالإشارة أو الأعلام أو الأضواء المرئية، ثم الاشتباك معها.

في سفينة الحراسة تلك، كان دينيس جراي، وهو جندي مشاة بحرية ملكي، متوترًا إلى حد كبير، فيرى أن "نظام تحديد المدى والاتجاه بدائي جدًا. فكانت أول وجهة لتجريبه هي النرويج، حيث كانت أجهزة تحديد المدى المضادة للطائرات عديمة الفائدة بسبب الجبال هناك". صحيح أنهم عندما تم إرسالهم إلى البحر الأبيض المتوسط بمجرد إعلان الحرب، اكتسبوا المزيد من الخبرة، إلا أنه لايزال لا يثق تمامًا في إمكانياتهم.

وفي إحدى الليالي، كانت جبال سيناء على الميمنة، والأراضي خلاء وخراب أمامهم، والقمر مشرق، وأسماك القرش الضخمة تظهر بوضوح حول مؤخرة "ثيستليجورم"، راقبها "غلين" ثم نام مع بعض زملائه على السطح، فأخيرًا صدرت لهم الإشارة: "ستتحركون مبكرًا في الصباح!".

لكنهم لم يتحركوا أبدًا. فعند الواحدة والنصف صباحًا، سمعوا صوت طنين منخفض قادم من بعيد. ربما صوت مولد صغير؟، فلا يمكن أن تكون طائرة معادية لأن سفينة الحراسة كانت ستتدخل.. على أي حال، لم ينتبه أحد. لكن الضجيج اقترب وأصبح أعلى، فتح "غلين" عينيه، ليرى فوقه طائرتين حربيتين ألمانيتين، كادتا تلامسان صواري السفينة.

السقوط

"دورينغ" يقوم "بسيمفونية من القذائف"، كما يراها، كل طلقة وكل قنبلة دقيقة وقاتلة.

فأغارت ألمانيا على الإسكندرية في تلك الليلة بخمسين طائرة، مقسمة على دفعتين. ما جعل المدينة تتعرض لأعنف قصف في تاريخها. وكان "دورينغ" بطائرته "هاينكل" في أول السرب في معركة استمرت نحو 90 دقيقة كاملة.

أمسك عصاه بقبضة محكمة. وبات بإمكانه رؤية الأهداف المصابة. ولا مقاومة جوية في وجهه، وهذا يربكه قليلًا. فيقول لطاقمه بسخرية: "هل نجحنا بالفعل في هجومنا المفاجئ؟، وهل ما زال الجنود في الأسفل نائمين؟ يبدو أنهم سيستيقظون على مفاجأة غير سارة".

تتصاعد غيوم من الدخان أمام قمرة القيادة الزجاجية، بعد أن انخفضت الطائرة كثيرًا، ثم يصرخ "ريتشارد"، أحد أفراد الطاقم: "نيران مضادة للطائرات!". فيرد "دورينغ": "لسنا بعيدين عن نطاقها! ولكن ليس من السهل إسقاط طائرة من طراز He 111.. أيها الأوغاد! بعد لحظات قليلة ستحصلون على عقابكم!".

كانت ثقة "دورينغ" كبيرة في طائرته وفي "ريتشارد"، زميله، سيد المهنة، كما أطلق عليه.

انحنى "ريتشارد" الآن فوق منظار القنابل،وقام بتعديلات دقيقة جداً للمسار، بينما حافظ "دورينغ" على الطائرة مستوية تماماً. فتح الأول النار، مصوبًا بدقة على الأهداف المحددة بناء على الخريطة الموجودة معهم، والتي كان بعضها وسط مناطق سكنية حول الميناء، بحي الجمرك.

لم تصب "هاينكل" بشيء من النيران. فسخر"دورينغ" ورفاقه من "ذخيرة الإنجليز الرديئة": "نحن سعداء تمامًا بتبديدهم للذخيرة.. هيا نتخلص من "بيضاتنا" الثمينة (القنابل)... هذه هي الأخيرة لدينا!".

لم يصدق "غلين" ما يراه!، طائرة "هاينكل" الألمانية فوق رأسه مباشرة!

كان بها الملازم هاينريش مينجي، من السرب الثاني بالوحدة القتالية السادسة والعشرين، قادم من جزيرة كريت للعثور على حاملة الجنود التي أبلغت عنها غواصة وتدميرها، ليقطع الإمدادات عن القواعد البريطانية الموجودة بالإسكندرية، والتي يقصفها "دورينغ" من ناحية أخرى.

وقد مرت ساعات عليه دون رؤية أثر لها، وكان عليه أن يتقبل فشل مهمته، لكنه لم يرد العودة خالي الوفاض. فانحنى خارج الموقع المحدد قليلاً حتى لاحظ ظل سفن القافلة، فزاد سرعته وأخذ "الهاينكل" في دائرة كاملة ليقف فوق أكبر سفينة على الإطلاق "ثيستليجورم". ولم تأتِه النيران المضادة للطائرات المتوقعة. فضغط على زر صغير داخل الكابينة، وأصابها، تحديدًا المخزن رقم 4 قرب المؤخرة، المكان الذي ينام "غلين" بالقرب منه.

انبطح "غلين" خلف ونش، وهناك كتلة فوق رأسه اشتعلت فيها النيران. استيقظ الجميع مذعورين، وساعده أحدهم في رفع هذه الكتلة وإخراجه من تحتها.

انفجرت الذخيرة الموجودة على السفينة تباعًا. ومن أعلى، تأكد الملازم هاينريش أن "هاينكل" أصابت هدفها وكان راضيًا عن الدمار الذي أحدثته: "الآن.. حان وقت الرحيل".

في ثوانِ، كانت "ثيستليجورم" مشتعلة بأكملها.. فكر "غلين" مع زميله الانتقال إلى الحاجز على الجانب الأيسر ليقفز في المياه. تردد، وفكر في الخطوات القليلة التي سيسلكها للوصول، وفي البحر المليء بأسماك القرش. كان يحدث نفسه بصوت مسموع: "أهلي لن يعرفوا أبداً كيف مت!". لكن لا خيار آخر، فقد ركض بأقصى سرعة ونزل إلى المياه.

وبدأ زميله الصبي البحار الصغير يسبح بعيداً، فناداه للعودة، مسترجعًا جزءًا من تدريبه: "في حالة القصف والغرق، لا تسبح بعيداً عن السفينة أبداً، فهناك دائماً المزيد من الحطام للتشبث به بالقرب منها".

وفوق السفينة، أيقظ عامل اللاسلكي رئيسه، الذي قال له: "اخرج، لا حاجة للإرسال، لا حاجة لرسالة استغاثة الآن". ثم نزلوا في قارب نجاة واحد متبقيًا.

وصل "غلين" والصبي والقوارب إلى سفينة الحراسةكارلايل (HMS Carlisle)، صعدوا إلى متنها، ونظروا خلفهم، فسمعوا صرخة أحد زملائهم: 'قرش'.. لم يكن الرجل بعيداً عنهم، ولو أحد وصل إليه في الوقت المناسب لكان نجا، ولكن للأسف ابتلعه القرش. ثم حدقوا في سفينتهم "ثيستليجورم"، وكانت انقسمت نصفين،على شكل حرف V، وابتلعها البحر تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.

سقط "غلين" بركبتيه على الأرض، لا يصدق ما يجري، كان ملطخًا بالزيت الحارق، الذي أزال اللحم بالكامل. ثم التقط من البحر حزام نجاة فارغاً، كان مثبتًا به زميلهم "آرثر"، لأنه ليس سباحًا جيدًا، قال "غلين" لمن حوله، وهو في حالة صدمة، "ماذا حدث لآرثر، هل أصابه الذعر وخرج من حزام النجاة؟ أو سمكة القرش أخذته هو الآخر، لا نعرف، لن نعرف أبدًا!". ثم بكى بكاء هيستيرياً.

شاهد دينيس جراي، جندي المشاة الموجود على سفينة الحراسة، كل هذه المشاهد الرهيبة، كان يحاول مساعدة الناجين، ثم كان عليه تبرير ما حدث لهم.. لماذا لم يدافعوا عنهم؟ لماذا لم يحذروهم؟..

روى لهم "دينيس" ما وقع من زاويتهم : "عندما هاجمتكم الطائرة، كنت نائمًا بالقرب من المدفع ثم استيقظنا على جرس الإنذار الذي دوى في جميع الأنحاء، كان البعد عنكم أقل من نصف ميل تقريبًا.. تم فتح خزائن الذخيرة وتم وضع القذائف الأولى على المدفع، ثم طُلب منا وقف إطلاق النار لأن ماسورة المدافع كانت منخفضة جدًا لدرجة أننا كنا سنصيب صواري السفن الأخرى الموجودة خلفكم!.. لم نتمكن من فعل أي شيء للأسف، لم يكن هناك وقت حقاً.. في أجزاء من الثانية كان هذا يحدث!"..

بالفعل، كانت "ثيستليجورم" في دقيقة هناك وفي الدقيقة التالية لم تكن! وراح تسعة رجال منهم في تلك الليلة.

كان رجال البحرية التجارية، مثل أفراد ثيستليجورم، هم الأبطال المجهولين في الحرب.. الحركة البحرية، التي تعتمد عليها أمتنا ووجودنا، استمرت دون انقطاع. حافظوا على مخزوننا من الطعام والمواد؛ ونقل الرجال والذخائر إلى المعارك في جميع الأنحاء.

ونستون تشرشل – رئيس الوزراء البريطاني في مجلس العموم

الأسطورة

أدارت طائرة "هاينكل" و"دورينغ" ظهرهما إلى الإسكندرية باتجاه قاعدتهما. أما "هاينكل" التي تخلصت من السفينة، فاتجهت شمالًا، إلا أن ضغط الهواء، جعلها ترتد وتهتز بعنف.. وبعد وقت قصير، انقلبت الأمور تمامًا على نحو مخيّب لآمالهم.

فعند إلقاء نظرة خاطفة على الأجنحة، شاهد "هاينريش" عدداً من الثقوب، حصل أحد محركات طائرته على نصيبه، والوقود يتسرب تدريجيًا، ووميض مؤشر سائل التبريد يعطي إشارة تحذير، وقوة الرياح تدفع الطائرة بعنف.

لا يبدو أن شيئًا يساعد، تلاحقت كل صور حياة "هاينريش" القصيرة أمامه في تلك اللحظة، التي أدرك أنها قد تكون النهاية، فقال لمن معه: "هاينكل تخذلنا لأول مرة.. ليس لدينا خيار آخر سوى أن نبدأ في هبوطنا. نحن نهبط، حاولوا أن تقفزوا.. حاولوا القفز بسرعة...انتهى الأمر."

قلبت "هاينكل" الإسكندرية رأسًا على عقب بعد ضرباتها القاتلة: فأنهت حياة 159 شخصًا، ضاقت بجثثهم مشرحة المستشفى الأميري وأقيم سرادق لوضع بعضهم، وأصابت أكثر من 200 شخص، نقلوا إلى المستشفى العسكري بشارع الملكة نازلي والهلال الأحمر في عملية إنقاذ بطيئة، قوامها 30 سيارة إسعاف و32 طبيبًا فقط المقيدة أسماؤهم بالطوارئ.

دُمّر الكثير من البيوت، وتُركت جثث عالقة تحت أنقاضها. وهَاجر أكثر من 20 ألفًا، قصدوا مدارس القاهرة. فأرسلت وزارة الأشغال مائة عامل لتفريغ البضائع من مركبات السكك الحديدية حتى يمكن استخدامها لترحيل السكان، خاصة المجاورين لمنطقة الميناء، الأكثر خرابًا.

وكشفت أن مخابئ الإسكندرية التي لا تتجاوز 350 مخبأ وتتسع لما يقرب 50 ألف شخص، ليست كافية بأي حال من الأحوال في مدينة يسكنها نحو 750 ألف نسمة!.. ودفعت المسؤولين للسفر إلى هناك، وعلى رأسهم مصطفى النحاس، ورئيس الوزراء، سري باشا. فصرفت الحكومة المصرية تعويضًا للضحايا يقدر بـ3000 جنيه. وفرضت عقوبة على السائقين الذين يستغلون الوضع ويحصلون من النازحين على أكثر من 20 مليمًا في كل كيلو متر بالحبس شهرًا أو غرامة.

وبينما يجري كل ذلك، لم تعترف ألمانيا باستهداف المدنيين، إنما أعلنت "أن قواتها ضربت ساحل الإسكندرية محددة أهدافًا عسكرية فقط". ولم يقر خصمها "بريطانيا" بخسائره في تلك الليلة سوى "تضرر سفينة عبارة عن مستشفى عائم يسمى RFA Maine، قُتل أربعة من أفراد طاقمه، بمن فيهم ضابط".

خرجت رؤوس من المياه، إنهم طاقم"هاينكل" الأخرى. فلم تكن النهاية كما ظن "هاينريش".

فقد نجح بالهبوط بها في الماء دون خطر الانفجار عند الاصطدام. فالتقطته سفينة عربية وسلمته إلى البريطانيين. وكان قد تخلص من جميع الأوراق وأي شيء يمكن أن يكون مفيداً للحلفاء. واحتفظ بشارته وهويته فقط.

وعلى مسافة قريبة منه، صعد الناجون من السفينة ثيستليجورم مثل "غلين" إلى فرقاطة حربية صغيرة تسمى فلامينجو (Flamingo) لتبحر بهم إلى بورسعيد. رافقهم عليها أحد البحارة، فقال: "يجب أن تكونوا رأيتم ما رأيناه الليلة الماضية!"، ويقصد قصف السفينة، فأخبره "غلين" أنهم من كانوا على متنها.

اندهش الرجل، فلم يعتقد "أن هناك ناجين من هذا الانفجار!".. ثم قال لهم: "كان جيدًا أن الطائرة لم تقصفنا لأننا كنا نحمل مادة نيتروغليسرين (Nitro-glycerine)، ولو كان أصابنا، لكان قد فجر نصف مصر تقريبًا!".

ومن وصفه لمكان سفينته، أدرك "غلين" أنها كانت في الصف التالي لثيستليجورم.

بعد نحو خمسين عامًا، نُسيت "ثيستليجورم"بعد اكتشاف جاك كوستو حطامها لسنوات طويلة. ثم صارت في بداية التسعينات مدرجة على قائمة أهم نقاط الغوص على الحطام في مصر، وهم حوالي 70 نقطة.

الآن- يلتف حولها عشرات الغطاسين في نفس مكان نوم "غلين" وضربة "هارينش"، يتسللون بين جنباتها، حيث مخازنها المنهارة التي أكلها الصدأ ومركباتها التي لم تصل أبداً إلى وجهتها.

تجول في حطام السفينة 360 درجة

كل أشيائها تجلس هنا بهدوء غريب. لكن تزعجها مراكب تأتي واحدة تلو الأخرى تربط حبالها بها، ما صعب وضعها، بل جعله "كارثيًا"، بوصف عماد خليل (أستاذ الآثار البحرية بجامعة الإسكندرية)، الذي يغطس عندها كثيرا، ويشاهد معاناتها من ثلاثية "ربط الحبال وفقاعات الهواء المحبوس وسرقة معداتها".

فلم يتأذّ جسد "ثيستليجورم" فقط، إنما فقدت أغلب مقتنياتها، التي تناثرت كأشلاء بين ديكورات مراكز الغوص بشرم الشيخ أو زائريها المصريين والأجانب. فاستقرت ساعتها مثلا على رف مدفأة لأحد المدربين المتقاعدين في منزله بريف غرب إنجلترا. وكل من جرسها وسارية الراديو ظهرا بصور مجلة ناشيونال جيوغرافيك عام 1955، ثم لاحقا اختفى كلاهما.

لا أحد يراقب "ثيستليجورم" ومن يسبحون عندها أو يفتش الخارجون منها أو حتى يوعيهم بما عليهم فعله، فهي لا تتبع أي إدارة ولا جهة، كما يذكر عماد خليل. ورغم أنه يدرك "أن السيطرة على موقع تحت المياه أمر ليس سهلًا"، لكن في رأيه، لابد التحرك بأي طريقة لأن "بهذا الشكل، مصير السفينة إلى الزوال".

لم يهتم أحد بها إلا الجمعية المصرية لحماية البيئة والحفاظ عليها (HEPCA)، وهي جمعية غير حكومية، اجتهدت منذ عام 2007 في حفر ثقوب على الحطام للسماح بإطلاق جيوب كبيرة من الهواء المكتوم، ووضع سلاسل ثقيلة في قاع البحر لتوفير أساس للمراسي القوية لربط حبال المراكب به بدلًا من جسم السفينة. وساعتها، تنفست "ثيستليجورم" دون أن يحجبها حبل واحد.

ومع مرور الوقت، انهار مشروعهم. لكنها تحاول مجددًا أن تعيده هذه الأيام، وترمي أول "بلوكات" خرسانية تزن نحو 15 طنًا لتثبيت المراكب بها. ومن ناحية أخرى، تسعى غرفة الغوص والأنشطة البحرية لإصدار قرار من وزارة السياحة والآثار للحفاظ على السفينة كتراث غارق وتنظيم الغوص بها ومنع أي ممارسات خاطئة، بحسب كريم ياسر (المدير التنفيذي للغرفة).

أما "هاينكل" الطائرة التي ضربتها، فلم تكن قصتها بنفس وضوح "ثيستليجورم". قد باتت سيرتها لغزًا، هل موجودة فعلا؟ وترقد جوار قتيلها؟، نعم شمالًا، بحسب مدير غرفة الغوص والأنشطة البحرية، الذي قال: "آنها بعيدة وصغيرة وقليلون من وصلوا إليها بالبحث". لكن لا صور ولا توثيق لها. لذا فهي بالنسبة لآخرين، مثل عماد خليل أو زياد مرسي (الباحث في الآثار البحرية، وأحد القائمين على مشروع توثيق السفينة)، فهي غير موجودة بالأدلة العلمية.

وفي سجلات الأرشيف الفيدرالي الألماني، لا شيء عنها. لكن في رده علينا، وقف على الحياد، لم يؤكد أو ينف شيئا. فقال: "أغلب ملفات سلطات القيادة العسكرية لدينا ناقصة، حيث فقدنا العديد من الوثائق وقت الحرب بعد تدميرها حتى لا تقع في يد العدو. ونتيجة لذلك، لم يعد بالإمكان توضيح بعض الحقائق!".

لكن ربما من بوسعه حسم أمرها هو قائدها نفسه "هارينش"، الذي سُلم للإنجليز وقتها ورحلوه إلى معسكرات في أستراليا؛ حيث قضى بقية فترة الحرب. ولم يظهر إلا في مقابلة معه عام 1992، أجريت بالمطار سريعًا، وهو يرحل بعد زيارة لألمانيا، التي ذكر "أنه عندما عاد إليها بعد الحرب كان محبطًا للغاية بسبب نقص المساعدة العامة الألمانية لقدامى المحاربين، لذلك هاجر إلى الأرجنتين واستقر بها". وبالنسبة للطائرة، قال: "نعم تركتها هناك" ثم غادر.. وكأنه تركها بهذة الطريقة المثيرة وبكل ما فيها من مشاعر مجهولة، وقرارات قاتلة، ولحظات نهاية محبطة لتبقى أسطورتها للأبد.

_____________________________________________________________

  • بعد عام واحد من هذه الأحداث، على بعد مائة كيلومتر فقط غرب الإسكندرية، غيرت معركة العلمين موازين الحرب في أكتوبر 1942 بانتصار قوات الحلفاء بقيادة الجنرال مونتغمري على ثعلب الصحراء المارشال الألماني روميل. وانتهت الحرب رسميا في 2 سبتمبر 1945 بفوز قوات الحلفاء وهزيمة ألمانيا النازية.
  • جميع الناجين من سفينة "ثيستليجورم" توفوا خلال فترة التسعينات وبداية الألفينات. وأصبحت مقابلات الفيديو الوحيدة معهم مؤرشفة في متحف الحرب الإمبراطوري.
  • تم استخدام اسم مستعار للطيار الألماني المهاجم للإسكندرية (الملازم دورينغ)، وجميع تفاصيل الأحداث اعتمدت على مذكرات القوات الجوية الألمانية والطيارين والمصادر المذكورة أدناه.

المصادر:

  • كتاب جون كين، “إس إس ثيستليجورم - القصة الحقيقية لأعظم حطام سفينة في البحر الأحمر” عام 2008 - مقابلات في فترة التسعينيات مع الناجين من السفينة: غلين أوين (من أفراد البحرية الملكية)، جون ويثام (من طاقم البحرية التجارية)، وراي جيبسون (عامل اللاسلكي) – ودينيس جراي (أحد أفراد على سفينة إتش إم إس كارلايل).
  • مشروع مسح حطام سفينة ثيستليجورم وتوثيقه الذي أجرته جامعات نوتنهام وعين شمس والإسكندرية وBritish Council.
  • مقابلة مع ولفرام فورستر (أحد المقاتلين الألمان في الحرب العالمية الثانية).
  • مشروع "الرصد الجماهيري" في يناير 1937 (تسجيل تفاصيل الحياة البريطانية اليومية خلال الحرب العالمية الثانية).
  • الصحف الإنجليزية.
  • مذكرات طيار ألماني في الحرب العالمية الثانية–Luftwaffe bomber to night fighter - مذكرات حرب القوات الجوية الألمانية.
  • أرشيف جريدة الأهرام، أرشيف دار الهلال.
  • موقع قاعدة بيانات الحرب العالمية الثانية (مشروع توثيقي خاص).

_____________________________________________________________

اقرأ أيضا:

لغز الأبواب.. اختفاء باب المقبرة وسر الأحرف الثلاثة

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان