إعلان

غنى فيه العندليب.. كازينو الشاطبي حكاية 120 عاما لأشهر إطلالة على بحر الإسكندرية - صور

كتب : محمد البدري

03:27 م 06/09/2026

تابعنا على

لا ينفصل اسم كازينو الشاطبي عن الهوية البصرية لمدينة الإسكندرية، إذ يمثل معلما تاريخيا وثقافيا عريقا يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1907، ويُعد رمزا لهوية المدينة الساحلية وذاكرتها الفنية والاجتماعية التي تشكلت عبر أجيال متعاقبة.

وعلى مدار نحو 120 عاما واكبت تلك المنشأة المعلقة فوق مياه البحر المتوسط مختلف مراحل التطور العمراني، متحوّلاً من مبنى خشبي متواضع مطلع القرن العشرين إلى منشأة خرسانية شهيرة وصولاً إلى واجهته الحديثة، دون أن يفقد حضوره كأحد أهم معالم الكورنيش ومسرحاً ارتبط ببدايات كبار نجوم الفن والغناء.

البداية.. استراحة يونانية بطعم الكوزموبوليتانية

ترجع البدايات الأولى لهذا المعلم إلى عام 1907، حين بادر المستثمر اليوناني السكندري جورج بترو بالحصول على ترخيص رسمي من بلدية الإسكندرية لتشييد استراحة خشبية متواضعة فوق نتوءات صخرية طبيعية تمتد في عمق البحر، في وقت لم يكن فيه طريق الكورنيش الحالي قد وُجد بعد، حيث كانت الكثبان الرملية تمتد بلا عوائق من مشارف جبانات الشاطبي القديمة وصولًا إلى حافة المياه، وضمت المنشأة الأولى كشكًا للمشروبات واستراحة بسيطة محاطة بكبائن خشبية خُصصت لتبديل ملابس السباحة في مياه الشاطئ.

وسرعان ما اكتسب الموقع بعدًا اجتماعيًا متعدد الثقافات؛ إذ تحول إلى مقصد يومي لأبناء الجاليات الأجنبية المقيمة في أحياء الشاطبي والأزاريطة ومحرم بك، حيث التقت العائلات اليونانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية على شرفته الخشبية لممارسة طقس "شاي العصاري"، مجسدًا الطبيعة الكوزموبوليتانية التي ميّزت المدينة في النصف الأول من القرن العشرين.

ومع تعرض الهياكل الخشبية لنحر الأمواج وتقلبات الطقس لعقود، شهد عام 1952 النقلة المعمارية الأبرز؛ حيث تقرر استبدال البناء الخشبي بكتلة خرسانية دائمة تستند إلى ركائز وأعمدة مسلحة نُفذت في قاع الصخور البحرية لتأمين المبنى ضد ضغط النوات والتيارات المائية، وأُعيد تشكيله ليتخذ هيئة نصف دائرية بارزة داخل المياه تمنح رواده تجربة بصرية معلقة فوق سطح البحر.

واقتضت التوسعة الجديدة حينها تقليص مساحة الكبائن الشاطئية السفلية لإفساح المجال أمام صالة طعام رئيسية وتراس مفتوح بزاوية رؤية بانورامية كاملة، وهي الهيئة المعمارية التي استقرت في الوجدان ورسخت حضورها عبر بطاقات البريد التذكارية التاريخية بوصفها الرمز البصري الأبرز لمصايف الثغر.

المسرح الصيفي ومنصة انطلاق عمالقة الفن

تجاوز الكازينو دوره كمتنزه بحري ليتحول خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إلى واحدة من أهم منصات الغناء الصيفي في مصر؛ فشهد صيف عامي 1954 و1955 صعود المطرب الشاب آنذاك عبد الحليم حافظ على خشبته، ليقدم أولى عروضه الغنائية المباشرة أمام الجمهور السكندري بأعماله المبكرة قبل انطلاق حفلاته الكبرى على مسارح الأندلس وريفولي.

كما احتضن المسرح عروض الفنان إسماعيل ياسين وإسكتشاته الكوميدية، إلى جانب الفقرات الشعبية للفنان محمود شكوكو بمونولوجاته الشهيرة، واستعراضات رائدة المونولوج ثريا حلمي، وسهرات المطرب عبد العزيز محمود بصوته الساحلي، والأغنيات العاطفية للمطرب كارم محمود، بالتوازي مع استضافة فرق يونانية وأوركسترا غربية لعزف مقطوعات الجاز الكلاسيكي عند ساعات الغروب تلبية للذائقة الفنية لنخبة المدينة.

حضور أدبي وبصمة في السينما الكلاسيكية

شكّل التراس البحري المفتوح للكازينو مساحة إلهام لنخبة من الأدباء؛ فخلّده الروائي السكندري إدوار الخراط في نصوصه موثقًا حركة أضوائه وانعكاساتها على سطح البحر ليلًا، وكان مقصدًا لشعراء ومثقفي جماعة أبوللو ورواد أتيليه الإسكندرية، فضلًا عن تحول ركائزه وتراسه المتوغل في الماء إلى موقع تصوير مفضل لمخرجي السينما المصرية في العصر الذهبي لتصوير المشاهد الرومانسية في أفلام الأبيض والأسود.

مشروع الإحلال المعماري ومجمع الخدمات المعاصر

ومع مطلع الألفية الجديدة، بلغت تأثيرات البيئة البحرية ذروتها على البناء، حيث أسفرت ملوحة المياه ورطوبة النوات المتعاقبة عن تآكل متقدم في حديد التسليح وتفتت الكتل الخرسانية الحاملة؛ مما استوجب تدخلاً هندسيًا حاسمًا انتهى قبل سنوات قريبة إلى إزالة الهيكل الخرساني القديم، وتشييد المبنى القائم حاليًا بالاعتماد على الهياكل المعدنية والواجهات الزجاجية الحديثة متعددة الطوابق، ليضم مجمعًا للمطاعم والمقاهي والخدمات الشاطئية مع الحفاظ على ميزته التأسيسية في الاتصال البصري المفتوح بالبحر ورؤية بانورامية تمتد حتى قلعة قايتباي في الأفق.

حقيقة شائعات هدم كازينو الشاطبي وإجراءات الطرح

وتجدد الاهتمام بالموقع مؤخرًا إثر تداول أنباء غير دقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي زعمت صدور قرارات بهدم الكازينو، بالتزامن مع اتخاذ إجراءات إدارية وتنظيمية لإخلاء المساحات المشغولة به؛ حيث حسمت مصادر مسؤولة بمحافظة الإسكندرية الموقف بنفي وجود أي نية لإزالة المنشأة.

وأوضحت المصادر أن ما يجري يقتصر على إجراءات استلام إداري اعتيادية عقب انتهاء المدة القانونية لعقود المستغلين السابقين، تمهيدًا لإعادة طرح الموقع بالكامل في مزايدة استثمارية عامة تستهدف رفع كفاءة الخدمات وتطويرها، مع صون المكانة التاريخية والمعمارية للكازينو بوصفه أحد أهم معالم الواجهة البحرية للمدينة.

اقرأ أيضًا

بشرى سارة للمصطافين.. السماح بنزول البحر بعدد من شواطئ الإسكندرية

لمدة 24 ساعة.. محافظ الإسكندرية يقرر غلق شاطئ وانلي لمخالفة حظر نزول البحر

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان