إعلان

"خنادق وجماجم وممرات مجهولة".. ماذا يُخفي نبع "عين خضرا" بالفرافرة؟ - صور

كتب : محمد الباريسي

09:00 ص 06/09/2026

تابعنا على

تتدفق المياه في هدوء من قلب الصحراء، بينما تحيط بها أشجار النخيل وبقايا جدران وممرات تحمل علامات زمن لم تُكشف جميع أسراره بعد. هنا تقع عين خضرا، إحدى أشهر المناطق التراثية في واحة الفرافرة، ومكان ارتبط على مدار قرون بحياة السكان والقوافل والمسافرين، وتحول بمرور الوقت إلى شاهد على تاريخ طويل من الاستقرار والمعارك والرحلات عبر الصحراء.

نبع عين خضرا

لم تكن عين خضرا بالنسبة لأهالي الفرافرة مجرد مصدر للمياه، بل مثّلت نقطة حياة ومحطة أساسية على طرق السفر، حتى أطلق السكان على المنطقة اسم "الوطن"، بكسر الواو والطاء، في تعبير يكشف حجم ارتباطهم بها.

واليوم، وبينما تقع العين داخل نطاق محمية الصحراء البيضاء، لا تزال المنطقة تحتفظ بجزء كبير من أسرارها، وسط مطالب بإجراء المزيد من أعمال المسح والتنقيب الأثري، والكشف عن نتائج بعثات سابقة عملت بالموقع.

لماذا أطلق أهالي الفرافرة عليها "الوطن"؟

قال عبد الله علي، مدرس وخبير في تراث وتاريخ الفرافرة وأحد المهتمين بتاريخ الواحة، إن عين خضرا تعد من أقدم العيون في الواحة، وعُرفت بين السكان قديمًا باسم «الوطن»، بكسر الواو، كما أطلق عليها «عين الوادي».

ويرتبط الاسم، بحسب روايته، بكون المنطقة كانت موطنًا قديمًا لسكان الفرافرة قبل انتقالهم إلى قصر الفرافرة، أو مدينة الفرافرة الحالية، نحو عام 1840.

وبعد انتقال السكان، ظلت العين تؤدي دورًا مهمًا في حياتهم، فتحولت المنطقة إلى محطة لراحة أبناء الواحة خلال رحلاتهم، وإلى مسقى للجمال.

وكان المسافرون يمرون بالمنطقة في طريقهم إلى الواحات البحرية أو وادي النيل، حيث كانوا ينقلون منتجات الفرافرة من الزيتون والمشمش والبلح، ويعودون محملين بالسكر وغيره من الاحتياجات الأساسية.

ارتبطت الكثير من العيون السطحية في الواحات بتسمية «العيون الرومانية»، باعتبارها من المنشآت التي ترجع إلى فترات تاريخية قديمة شهدت وجودًا رومانيًا في المنطقة.

لكن عبد الله علي طرح رواية أخرى حول تاريخ عين خضرا، مؤكدًا أن وصفها بـ«الرومانية» لا يعني بالضرورة أن الرومان كانوا أول من أنشأها.

ويرى أن وجود المياه والاستقرار البشري في المنطقة ربما يرجع إلى عصور أسبق، مستشهدًا بما نُقل عن عالم المصريات الدكتور أحمد فخري بشأن العثور على تمثال برونزي لأحد الآلهة المصرية القديمة في منطقة عين خضرا.

وبحسب علي، فإن غياب التنقيب الأثري الشامل يجعل من الصعب تحديد عمر دقيق للعين، لكنه يرى أن تاريخ المنطقة قد يمتد إلى آلاف السنين.

وتظل هذه التقديرات في إطار الروايات والشواهد التاريخية التي تحتاج إلى أعمال أثرية علمية لحسم عمر الموقع وتسلسل فترات الاستيطان فيه.

سر استمرار تدفق المياه

أحد أبرز أسرار عين خضرا هو استمرار تدفق مياهها بصورة طبيعية حتى الوقت الحالي.

وقال عبد الله علي إن عمق العين يتراوح، وفق تقديراته، بين نحو 6 و8 أمتار، موضحًا أنها كانت تتدفق قديمًا في اتجاه مختلف، قبل تحول مسار المياه إلى الاتجاه الحالي.

وأضاف أن وجود المنطقة داخل نطاق محمية الصحراء البيضاء ساعد في الحفاظ على العين، خاصة مع عدم حفر آبار جديدة بصورة كثيفة بالقرب منها.

وأوضح أن بعض العيون السطحية الأخرى في الواحات تأثرت بظهور الآبار القريبة، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخفاض منسوب المياه وجفاف العين السطحية.

شباب الفرافرة يحرسون العين

من جانبه، قال الدكتور محمد جبريل، خبير بمحمية الصحراء البيضاء بالفرافرة وأحد أبناء الواحة، إن شباب المنطقة يحرصون من وقت إلى آخر على تنظيف العين والمسقى الخاص بها.

وأضاف أن مياه العين تتدفق بصورة ذاتية، وتمر عبر طبقات الأرض قبل خروجها إلى السطح.

وأشار إلى أن شباب الواحة أقاموا غطاءً خرسانيًا فوق العين للمساعدة في حمايتها من الردم أو إلقاء المخلفات بداخلها، والتي قد تؤثر على معدل تدفق المياه.

ويجتمع عدد من أبناء المنطقة بصورة دورية لتنظيف الموقع، في مشهد يعكس استمرار العلاقة بين أهالي الواحة والعين التي خدمت أجدادهم على مدار أجيال.

نخيل الأجداد يحيط بالمكان

تتوسط عين خضرا مساحة من النخيل والأشجار التي زرعها أبناء المنطقة عبر أجيال متعاقبة.

وقال جبريل إن زوار العين يحرصون على الاستراحة تحت ظلال الأشجار وتناول البلح الموجود بالمكان، وهو تقليد يرتبط بصورة المنطقة في ذاكرة أهالي الفرافرة.

وللنخيل أهمية تاريخية أخرى؛ إذ أوضح عبد الله علي أن السكان اعتادوا السفر إلى المنطقة لجمع سعف النخيل المستخدم في صناعة الخوص، والذي كان يمثل جزءًا أساسيًا من أدوات الحياة اليومية قديمًا.

وكانت مجموعات من الأهالي تقيم بالقرب من العين عدة أيام لجمع السعف وغيره من احتياجاتهم قبل العودة إلى منازلهم.

"المقتلة".. عندما تحول الماء إلى سبب للصراع

بالقرب من عين خضرا توجد بقايا أسوار وحجرات قديمة، بعضها يعود، وفق روايات أبناء المنطقة، إلى فترات تاريخية قديمة.

وأكد عبد الله علي أن أهمية العين كمصدر للمياه جعلت السيطرة عليها أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للمسافرين والقوافل.

ففي الصحراء، كان الوصول إلى مصدر مياه يعني استمرار الرحلة، بينما كان فقدانه قد يعرض المسافرين وجمالهم للهلاك.

ومن هنا، تحولت المنطقة في بعض الفترات إلى مسرح للصراع بين سكان الفرافرة ومجموعات كانت تمر أو تهاجم المنطقة.

ويرتبط بذلك اسم «المقتلة»، الذي أطلق على منطقة تقع بالقرب من العين وارتبط بمعركة شهيرة في ذاكرة سكان الواحة.

تتضمن الروايات الواردة بشأن هذه المعركة اختلافًا في تحديد تاريخها؛ فبينما تذكر إحدى الروايات عام 1818، تحدث عبد الله علي عن وقوعها في عام 1819.
ووفق رواية علي، شهدت المنطقة مواجهة مسلحة بين أهالي الفرافرة وغزاة قدموا من جهة الغرب.

وبرز خلال المعركة شخص يدعى «أبو مرزوق»، وصفه علي بأنه كان من أشهر مستخدمي البنادق بين أبناء الفرافرة في تلك الفترة، وأسهم في مواجهة الغزاة.

وأوضح أن رواية تاريخ المعركة ارتبطت أيضًا بقصة وثيقة قيل إنها كُتبت على جلد غزال، ووُضعت داخل إناء فخاري في منطقة أخرى قريبة.

جمجمة مثقوبة بطلق ناري

وتحمل منطقة "المقتلة" شاهدًا آخر مثيرًا للاهتمام.

فبحسب عبد الله علي، عثرت بعثة إيطالية خلال عملها بالمنطقة على جمجمة تحمل آثار إصابة بطلق ناري.

وقال إن أحد الباحثين قدر أن الجمجمة تعود لشاب يبلغ من العمر نحو 18 عامًا، وأن الوفاة حدثت في بدايات القرن التاسع عشر تقريبًا، وهي فترة تتوافق بصورة عامة مع التاريخ المتداول للمعارك التي شهدتها المنطقة.

ممرات غامضة تحت الأرض

ولا تتوقف أسرار عين خضرا عند الجدران القديمة والمعارك.

وأشار الدكتور محمد جبريل إلى وجود عدد من الخنادق والممرات الأرضية في الجزء الغربي من المنطقة، لا يزال السبب العلمي لإنشائها غير محسوم.

ويرجح بعض أبناء المنطقة أنها ربما استخدمت لأغراض دفاعية خلال الحروب القديمة، بينما يرى آخرون أنها قنوات لتجميع ونقل المياه، أو ما يعرف محليًا باسم «المناور».

وتضيف هذه الممرات مزيدًا من الغموض إلى الموقع، خاصة في ظل عدم وجود أعمال تنقيب كافية لحسم تاريخها ووظيفتها.

مومياوات مجهولة المصير

وكشف جبريل عن أن بعثة أثرية إيطالية أجرت حفائر في المنطقة منذ سنوات، وعثرت خلالها على مومياوات.

وقال إن نتائج هذه الأعمال وما توصلت إليه البعثة بصورة كاملة لم تُعلن لأبناء المنطقة، مطالبًا بالكشف عن نتائج الحفائر السابقة واستكمال دراسة الموقع.

ويزيد الحديث عن المومياوات والشواهد الأثرية الأخرى من أهمية عين خضرا، ليس فقط باعتبارها موقعًا طبيعيًا، وإنما منطقة قد تحمل طبقات متعددة من التاريخ المصري القديم وما تلاه من عصور.

من جانبه، قال محمد سالم، خبير آثار بمركز الفرافرة، إن عين خضرا تمثل مكانًا تراثيًا مهمًا لأبناء الواحة، وتحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مزار سياحي.

وأضاف أن المنطقة تحتاج إلى دعاية إعلامية أكبر، خاصة عبر وسائل الإعلام المختلفة، لإبراز قيمتها التاريخية والطبيعية.

وأشار إلى أن عددًا من أبناء واحة الفرافرة يعملون في سياحة السفاري وإدارة المخيمات المنتشرة بالمنطقة، ما يجعل تطوير المواقع التراثية والترويج لها مصدرًا محتملًا لدعم النشاط الاقتصادي للأهالي.

مرت أجيال، وتغيرت طرق السفر، واختفت القوافل القديمة وحلت السيارات محل الجمال، لكن مياه عين خضرا لا تزال تتدفق.


وتحت ظلال النخيل، وبين جدران «المقطفة» والممرات الغامضة وآثار بعثات التنقيب، يبقى المكان شاهدًا على علاقة الإنسان بالمياه والصحراء عبر قرون طويلة.

وربما تخفي الأرض المحيطة بالعين إجابات عن أسئلة كثيرة حول تاريخ الفرافرة وسكانها الأوائل والمعارك التي شهدتها المنطقة، لكن الإجابة العلمية الكاملة ستظل مرتبطة بإجراء حفائر ودراسات أثرية موثقة.

وحتى يحدث ذلك، ستظل عين خضرا بالنسبة إلى أبناء الفرافرة «الوطن»؛ المكان الذي منح أجدادهم الماء والظل والراحة، واحتفظ لنفسه بجزء من أسرار الصحراء.

اقرأ أيضًا:

"تظهر لمن يضل الطريق".. حكايات مثيرة عن واحة زرزورة المفقودة بالوادي الجديد (صور)

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان