وجهت بكين رسائل دبلوماسية غير معلنة إلى طهران حثتها فيها على التدخل العاجل لكبح جماح العمليات العسكرية التي تنفذها جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن، استجابة لطلب رسمي عاجل نقلته الرياض لتفادي تعطيل ممرات الملاحة والتجارة في البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب.
وكشفت وكالة "رويترز" نقلا عن ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة، أن التحرك الصيني جرى عبر قنوات تواصل مغلقة بهدف دفع القيادة الإيرانية لاستخدام نفوذها لدى الجماعة اليمنية، حماية لخطوط تدفق إمدادات الطاقة التي تمثل شريانا حيويا للاقتصاد الصيني المصنف في المرتبة الثانية عالميا، بالتزامن مع المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في العاصمة الصينية يوم الأربعاء.
مسارات التحرك السري ومحددات ضغط الصين على إيران
أوضحت المصادر أن المناشدة السعودية جاءت إثر التمدد الميداني المتسارع الذي حققه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن، وما شكله من تهديد مباشر لسلامة ناقلات النفط وحركة التصدير.
ورغم تمسك الخطاب الصيني العلني بضرورة ضبط النفس، إلا أن المشاورات المباشرة اتسمت بلهجة أكثر صرامة تطالب بمنع انزلاق ممرات التجارة نحو الفوضى، دون أن تتضمن توجيه إنذارات صريحة أو التلويح بأوراق المقاطعة الاقتصادية ضد طهران.
وقابلت إيران المطالب الصينية بالتأكيد على أن تثبيت الأمن الإقليمي مرتبط بوقف العمليات العسكرية التي تقودها أمريكا وإسرائيل ضد أراضيها، في حين أعلنت وزارة الخارجية الصينية أنها ترفض اتساع نطاق الاضطرابات في اليمن والبحر الأحمر بما يضر بالمصالح الدولية، مشددة على وجوب حماية أمن الدول والمنشآت الحيوية واللجوء إلى الحوار.
حسابات الطاقة ومصالح بكين في ممرات الخليج
تستند الصين في وساطتها إلى موقعها بوصفها الشريك التجاري الأكبر لإيران والمستورد الرئيسي لنفطها، حيث تظهر إحصاءات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة الشحن استيعاب الموانئ الصينية لأكثر من 80% من مبيعات النفط الإيراني المنقول بحرا خلال عام 2025 بمعدل يبلغ 1.4 مليون برميل يوميا، وهو ما جعل دبلوماسيا غربيا رفيع المستوى يصف بكين بأنها العاصمة الوحيدة القادرة فعليا على التأثير في قرارات القيادة الإيرانية تجاه الحوثيين.
ويحذر خبراء الملاحة من أن شل حركة باب المندب بالتوازي مع تعطل مضيق هرمز يهدد بقطع شرياني إمداد الطاقة في الشرق الأوسط في وقت واحد، وتوسيع رقعة المواجهة الإيرانية المباشرة مع أمريكا.
وفي هذا الإطار، أكد مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن أليكس فاتانكا أن مصالح الصين تتخطى حدود علاقتها بطهران؛ لكونها تعتمد على استيراد نصف احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط وترتبط بتجارة سنوية تفوق 300 مليار دولار مع دول الخليج، ما يعني أن إرباك الممرات البحرية سيلحق أضرارا جسيمة بالصين التي ترتكز عليها طهران تجاريا واقتصاديا.
مأزق النفوذ الصيني وأولويات القرار في طهران
يواجه الموقف الصيني حسابات معقدة؛ فبينما تعول إيران على تدفق الاستثمارات الصينية لحماية قطاعها النفطي وتخفيف آثار العقوبات الأمريكية، فضلا عن المكانة التي نالتها بكين إثر رعايتها لاتفاق المصالحة السعودية الإيرانية في عام 2023، تتصاعد أصوات داخل طهران تنتقد تدني حجم الاستثمار الصيني غير النفطي مقارنة بالتزامات بكين المالية الضخمة في دول الخليج.
وبينت المصادر الإيرانية أن الحسابات الصينية تظل عنصرا واحدا ضمن استراتيجية أوسع تعتمدها طهران لإدارة ملفاتها، في وقت أوضح فيه الدبلوماسي الغربي أن حاجة الطرفين متبادلة لحماية هرمز والبحر الأحمر.
ويتمثل المحك الفعلي للدبلوماسية الصينية في مدى استعداد بكين لربط رسائلها السياسية بتدابير اقتصادية إلزامية تدفع إيران إلى ممارسة ضغوط حقيقية لتهدئة الجبهات البحرية.