بين ثغرات الدستور والصدام القضائي.. كيف يخطط ترامب لولاية ثالثة؟
كتب : محمود الطوخي
دونالد ترامب
وسط حشد من مراسلي البيت الأبيض قبل أيام، اعتلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنصة معتمرا قبعة حمراء تحمل شعار "ترامب 2028"، في حركة أثارت همسات الحاضرين وسخريتهم.
لم يتردد ترامب في مغازلة فكرة البقاء، إذ قارن فترات رئاسته بأسلوبه الساخر المعتاد قائلا: "كما هو الحال مع فترة رئاستي، فإن المرة الثانية تكون دائما أفضل. إنها دائما أفضل. والمرة الثالثة ستكون أفضل بكثير".
لكنه تراجع سريعا خطوة إلى الوراء ليمتص ردة الفعل قائلا: "أنا أمزح فقط".
خلف هذه الدعابة المتكررة تكمن استراتيجية سياسية مدروسة؛ يطلق التصريح لجس نبض الشارع وتثبيت الفكرة في الأذهان، ثم يتراجع بنفي الجدية لحماية نفسه من أي ملاحقة دستورية مباشرة.
هذا النمط يعززه حلفاؤه باستمرار؛ إذ أكد مستشاره السابق ستيف بانون لصحيفة "إيكونوميست" في وقت سابق، أن هناك خطة حقيقية لضمان بقائه في السلطة قائلا: "ترامب سيكون رئيسا في عام 2028، ويجب على الناس الاعتياد على ذلك. في الوقت المناسب، سنعرض الخطة".
يفتح هذا المشهد الباب على مصراعيه أمام تساؤل حرج: هل يملك الدستور الأمريكي القوة الكافية لكبح هذه الطموحات، أم أن الثغرات القانونية ستمنح ترامب ممرا للالتفاف؟
تطبيع المستحيل.. دوافع البقاء خلف أسوار الحصانة
خلف كواليس الرغبة في البقاء، تتحرك دوافع قانونية ونفسية معقدة رصدتها مجلة "بوليتيكو" في محورين.
أولا، يقف الهاجس القضائي كأقوى المحركات؛ فرغم إغلاق القضايا الفيدرالية ضده عقب فوزه في انتخابات 2024، ترك المدعي الخاص "جاك سميث" بابا مواربا بإعلانه صراحة إمكانية إعادة إحياء التهم بمجرد خروج ترامب من منصبه.
ومع اقتراب انتخابات 2028، فإن ترامب قد يرى في الرئاسة درعه الوحيد لتعطيل الملاحقة الجنائية عن تصرفاته في ولايته الثانية.
وثانيا، تبرز النزعة السلطوية للتمسك بالحكم؛ حيث تشير دراسة للباحثة بجامعة فرجينيا ميلا فيرستيج، شملت 234 رئيس دولة في القرن الـ21، إلى أن ثلثهم حاولوا الالتفاف على قيود الولايات الرئاسية، ونجح كثير منهم في ذلك عبر استغلال الثغرات أو ترويض المحاكم، كما جرى في روسيا وتركيا ونيكاراجوا.
هذا الغموض يمنح ترامب ميزة تكتيكية يوضحها البروفيسور ستيفن جيلرز من جامعة نيويورك؛ إذ أن إبقاء احتمالية البقاء قائمة يحميه من التحول إلى "بطة عرجاء" في عامي 2027 و2028، ما يجبر أعضاء الكونجرس على الانصياع لرغباته خوفا من سطوته المستقبلية.
في الوقت نفسه، تصف صحيفة "نيويورك تايمز" هذا السلوك بتكتيك "التطبيع بالتكرار"؛ حيث يطرح ترامب أفكارا صادمة في البداية حتى يعتاد عليها الشارع وتتحول تدريجيا إلى أمر مقبول للنقاش.
ويحذر أستاذ العلوم السياسية بجامعة تورنتو لوكان أحمد واي، من الاستخفاف بهذه التحركات، مشيرا إلى أن محاولات كسر قيود الولايات الرئاسية تعد ركيزة للحكم السلطوي، مثل نموذج ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروسيا المستمر منذ 31 عاما، وفلاديمير بوتين في روسيا منذ 25 عاما.
هندسة التعديل.. كيف يصمم القرار المشترك 29 عبورا آمنا؟
يمثل المسار البرلماني المحاولة الرسمية المباشرة لتغيير قواعد اللعبة الدستورية.
وتكشف الوثائق البرلمانية أن هذا السعي تجاوز الطرح النظري؛ إذ قدم النائب الجمهوري أندرو أوجلز في يناير 2025 مشروع القرار المشترك رقم 29، والذي أحيل إلى لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب.
سعى المشروع إلى رفع الحد الأقصى لانتخاب الرئيس إلى 3 مرات، لكنه يضع شرطا يمنع تولي الرئاسة لثلاث فترات متتالية.
هذا التفصيل يخدم ترامب تحديدا، لأن ولايتيه منفصلتان 2017-2021 و2025-2029، ما يجعله مؤهلا للترشح مجددا في 2028 لعدم وجود تتابع متصل.
لكن هذا المسار يصطدم بجدار سياسي سميك؛ إذ يتطلب التعديل موافقة ثلثي أعضاء الكونجرس، وموافقة 3 أرباع الولايات.
وفي هذا الصدد، حسم رئيس مجلس النواب مايك جونسون الجدل بإعلانه عدم وجود أي مسار عملي لتعديل الدستور نظرا لأن العملية تستغرق نحو 10 سنوات، كاشفا أنه ناقش هذه القيود مع ترامب شخصيا.
تتفق هذه القراءة مع مواقف قيادات جمهورية حاسمة؛ إذ أكد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون في مارس 2025 أن التعديل الـ22 يحظر ترشح ترامب لولاية ثالثة.
وأعلن السيناتور ماركواين مولين لشبكة "إن بي سي" أنه لن يدعم أي محاولة لبقاء ترامب عبر تعديل الدستور قائلا: "لن أغير الدستور، أولا وقبل كل شيء، ما لم يختر الشعب الأمريكي فعل ذلك".
ووصف النائب "توم كول" الفكرة برمتها بأنها خيالية ولا يمكن نقاشها بجدية.
ثغرة الخلافة.. المناورات القانونية في غياب كلمة "الشغل"
مع انسداد الأفق البرلماني، تتجه الأنظار نحو المناورات القانونية للالتفاف على التعديل الـ22 بالتركيز على صياغته اللفظية.
ويكشف البروفيسور برايان كالت في مجلة "ذا أتلانتيك" أن المسودة الأولى للتعديل كانت تمنع الرئيس من "شغل" المنصب مجددا، لكن مجلس الشيوخ استبدلها بالصيغة الحالية التي تمنع "الانتخاب" فقط.
ويؤكد الخبير بروس بيبودي أن هذا الضيق اللفظي لم يأت بمحض الصدفة، بل كان المشرعون يدركون أن هذه الصياغة لن تغطي كافة سيناريوهات الخلافة وانتقال السلطة.
بناء على هذه الثغرة، يطرح الخبراء أربعة سيناريوهات للالتفاف:
السيناريو الروسي (تبادل المقاعد):
يقترح البروفيسور ستيفن جيلرز أن يترشح ترامب نائبا للرئيس مع وجه موال مثل نائبه الحالي جيه دي فانس، ثم يستقيل فانس فور فوزه ليتولى ترامب الرئاسة تلقائيا.
ورغم ادعاء ترامب بمشروعية هذا المسار، عاد وتراجع عنه واصفا إياه بأنه حيلة مفرطة الذكاء قائلا: "لن أفعل ذلك. أعتقد أن هذا ذكاء مفرط. نعم، سأستبعد ذلك لأنه مفرط الذكاء. أعتقد أن الناس لن يعجبهم ذلك".
حيلة التعديل الـ25:
لتجنب منع الولايات لاسم ترامب من بطاقات الاقتراع كمرشح لمنصب نائب الرئيس، يرشح الحزب رئيسا ونائب رئيس مواليين، وبمجرد توليهما يستقيل نائب الرئيس، ويعين الرئيس الجديد ترامب نائبا له بموجب التعديل الـ25 وموافقة الكونجرس، ثم يستقيل الرئيس لتنتقل السلطة لترامب.
ثغرة رئاسة مجلس النواب:
يُنتخب ترامب عضوا في مجلس النواب ثم رئيسا للمجلس، ويجبر الرئيس ونائبه المنتخبان على الاستقالة لتنتقل الرئاسة لترامب تلقائيا عبر خط الخلافة.
مخطط التعديل الـ20:
يستغل القسم الثالث من التعديل الـ20 في حال حدوث فراغ انتخابي أو عدم حسم النتائج في يناير 2029؛ إذ يمكن للكونجرس الخاضع لأغلبية موالية لترامب تعديل قانون الخلافة لينص على بقاء ترامب في منصبه كرئيس مؤقت لتسيير الأعمال حتى حل النزاع الانتخابي، ما يخلق دافعا لتعطيل العملية الانتخابية.
جدار الصد الدستوري.. كوابح القانون والمقاومة الشعبية
في مواجهة هذه السيناريوهات، يقف جدار صد دستوري ومؤسسي متين؛ إذ يستند البروفيسور ديريك مولر من جامعة نوتردام، إلى التعديل الـ12 الذي ينص على أن "أي شخص غير مؤهل دستوريا لمنصب الرئيس، لا يكون مؤهلا لمنصب نائب الرئيس"، ما يبطل تقنيا ترشحه لنيابة الرئاسة.
ويوافقه البروفيسور جيريمي بول من جامعة "نورث إيسترن"، مؤكدا لشبكة "سي بي إس نيوز" أنه لا توجد قانونيا أي حجج موثوقة تسمح لترامب بولاية ثالثة.
وتقدم دراسة الباحث ماثيو ميلهولاند المنشورة في مجلة "لينكون ميموريال يونيفيرسيتي للقانون" في نوفمبر 2025 دفوعا جديدة؛ إذ تشير إلى أن التفسير القضائي الحديث لقيود الفترات المماثلة يتعامل مع القيود الدستورية باعتبارها فرضا لـ"حظر دائم وشامل على الخدمة الرئاسية" بعد قضاء فترتين، بغض النظر عن طريقة الصعود للسلطة.
وتطرح الدراسة "بند ضمان الحكم الجمهوري" كعائق جديد، إذ تعتبر محاولات التهرب من التداول السلمي للسلطة وتكريس حكم الفرد متعارضة جوهريا مع التزام الدولة بضمان حكم جمهوري ديمقراطي للبلاد.
ويشير ميلهولاند إلى أن الترويج المستمر لسيناريوهات البقاء يؤدي إلى شل حركة المنافسين والمستشارين داخل الحزب الجمهوري مثل فانس وروبيو ويمنعهم من بناء حملاتهم المستقلة خوفا من إغضاب قاعدة ترامب.
على الجانب الآخر، تبرز مخاوف من موقف المحكمة العليا؛ حيث يرى البروفيسور عزيز حق من جامعة شيكاغو أن المحكمة قد تلجأ إلى التهرب من إصدار حكم فاصل، وتلقي المسؤولية على الولايات أو الكونجرس، وفقا لـ"الإذاعة الوطنية العامة NPR" الإخبارية.
وتحذر صحيفة "الجارديان" من خطورة تطويع الدستور بالولاء القضائي من قبل قضاة المحكمة العليا المحافظين الستة، موضحة آلية صناعة الجدل القانوني وتبييض القرارات عبر أبحاث مصطنعة لعلماء قانون موالين لحركة "ماجا" لتوفير غطاء فكري يبرر تعديل التفسير المستقر، مثلما حدث في سابقة السماح بتفكيك وزارة التعليم التي أنشأها الكونجرس.
وتخلص البروفيسورة جلوريا براون مارشال، إلى أن فشل الضوابط البرلمانية والقضائية سيلقي بكامل العبء على عاتق المواطنين العاديين لمواجهة ذلك عبر الحراك الشعبي الميداني الواسع، وفقا لـ"الإذاعة الوطنية العامة NPR" الإخبارية.
أيزنهاور يعود من الماضي.. التناقض بين الشارع ونفوذ السلطة
يكشف الواقع تباعدا واضحا بين طموحات ترامب والواقع الشعبي والسياسي الأمريكي؛ فبالرغم من ادعاءاته بأن لديه أفضل أرقام استطلاعات رأي على الإطلاق، كشفت "الجارديان" أن شعبيته تراجعت في ولايته الثانية لتصل إلى صافي سالب 19 نقطة في أواخر 2026.
ووفقا لـ"ذا اتلانتيك"، يظهر الرفض الشعبي حاسما؛ حيث يرفض 82% من الأمريكيين منح ترامب ولاية ثالثة في ظل القيود الدستورية، بينما يرفض 62% من الجمهوريين أنفسهم حصوله على ولاية ثالثة احتراما للدستور.
وفي المقابل، تتوقع نسبة 56% من الأمريكيين أن يحاول ترامب الترشح فعليا رغم معارضة 60% منهم لذلك بحسب استطلاع أجرته مؤسسة "يوجوف" في أبريل 2025.
تاريخيا، يعيد هذا الجدل إلى الأذهان مزاح الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1960 حول إمكانية ترشحه لنيابة الرئيس بعد أن أصبح أول رئيس يمنعه الدستور رسميا من الترشح لولاية ثالثة، وهو جدل تكرر لاحقا في عهود ريجان، كلينتون، وأوباما عندما بلغت شعبيتهم ذروتها في نهاية ولاياتهم الثانية.
في النهاية، فإن بقاء الدستور حاميا لـ"الديمقراطية" يعتمد على إرادة المؤسسات والأفراد في تطبيقه، وبدون ذلك، وبناء على تآكل الضوابط الفيدرالية، قد يتحول إلى مجرد ورقة في يد سلطة تنفيذية تملك تفسيرها الخاص بدعم من ولاء قضائي مطلق.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News