من الرد على الهجمات إلى الاستعداد للمبادرة بالعمليات العسكرية خارج الحدود، تعلن إيران تحولًا في عقيدتها العسكرية، بالتزامن مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتزايد التهديدات المتبادلة بشأن احتمال استئناف المواجهة، ويطرح هذا التحول تساؤلات بشأن طبيعة الاستراتيجية الإيرانية الجديدة، والأدوات التي تعتزم طهران الاعتماد عليها، وما إذا كان الانتقال من الدفاع إلى الهجوم يعني الاستعداد لشن حرب جديدة أم إعادة صياغة قواعد الردع والاشتباك في المنطقة.
الحرس الثوري الإيراني يعلن رفع القيود المفروضة على مدى الصواريخ الباليستية
وفي هذا السياق، أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم، رفع القيود المفروضة على مدى الصواريخ الباليستية، في خطوة تأتي ضمن تصريحات رسمية متتالية تتحدث عن تغيير الاستراتيجية العسكرية للبلاد، وتوسيع نطاق الرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي محتمل.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، خلال مؤتمر صحفي في العاصمة طهران، ردًا على سؤال بشأن الحد الأقصى لمدى الصواريخ الإيرانية: "لقد تم رفع هذا القيد بالنسبة لنا"، في إشارة إلى انتهاء القيود التي كانت تحد من نطاق وصول الصواريخ الباليستية.
وجاء الإعلان بعد أيام من تحذير المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، من أن أي تهديد أمريكي أو إسرائيلي، بصرف النظر عن طبيعته أو مستواه، سيقابل برد يتجاوز الحدود الجغرافية، مؤكدًا أن طهران ستحدد موعد وشروط إنهاء أي نزاع جديد إذا استؤنفت الهجمات.
ويأتي ذلك تزامنًا مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية تجاه إيران، وتلويح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإمكانية تنفيذ تحرك عسكري جديد ضد طهران، مؤكدًا أن المواجهة بين الجانبين لم تنتهِ بعد.
من الرد إلى المبادرة.. ما ملامح العقيدة الإيرانية الجديدة؟
يمثل التحول الأبرز في التصريحات الإيرانية الانتقال من استراتيجية تقوم على الرد على الهجمات إلى تبني نهج يتيح المبادرة بعمليات عسكرية هجومية، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا، الذي قال إن العقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية، التي كانت دفاعية حتى الآن، شهدت تحولًا في التكتيكات والاستراتيجية بناءً على توجيهات القائد العام للقوات المسلحة.
وأوضح أكرمي نيا أن أي اعتداء أمريكي جديد سيقابل برد أشد وأوسع نطاقًا من السابق، محذرًا من أن جغرافيا أي مواجهة مقبلة لن تقتصر على غرب آسيا.
وفي السياق نفسه، قال محبي إن العقيدة الإيرانية لم تعد تقتصر على انتظار تعرض البلاد لهجوم ثم الرد عليه، موضحًا: "كانت عقيدتنا الدفاعية في السابق دفاعية؛ كنا نقول إنه إذا هاجمتنا دولة ما، فسوف نرد، أما الآن فنقول إنه إذا هاجمتنا دولة ما، فسوف نرد ونشنّ هجومًا".
وتعكس هذه التصريحات توجهًا إيرانيًا نحو امتلاك القدرة على تنفيذ عمليات هجومية خارج الحدود، بدلًا من الاكتفاء بالضربات الانتقامية، مع الإبقاء على قرار تنفيذ تلك العمليات مرتبطًا بالقيادة العسكرية والظروف التي تستدعي استخدامها.
وفي هذا الإطار، نعاود الإشارة إلى تصريحات سابقة لمحمد رضا نقدي، المستشار الأعلى لقائد الحرس الثوري الإيراني، والذي أوضح أن التحول إلى العقيدة الهجومية أصبح قرارًا رسميًا، وأن الهدف يتمثل في امتلاك الجاهزية العملياتية لتنفيذ مهام داخل أراضي الخصم، متى صدرت الأوامر بذلك.
وشدد نقدي على أن الاستعداد لتنفيذ هذه العمليات لا يعني بالضرورة وقوع هجوم وشيك، قائلًا إن التركيز في التوجيهات القيادية ينصب على امتلاك القدرة على تنفيذها، وليس أن عملية عسكرية ستحدث في اليوم التالي.
الصواريخ والحرب غير المتكافئة.. أدوات الاستراتيجية الجديدة
كما أكد محبي أن مخزون إيران من الصواريخ ارتفع بمقدار مرة ونصف منذ حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، دون تقديم أرقام محددة، وأشار إلى تحسن جودة الصواريخ وزيادة مداها وقوتها التدميرية ودقتها في إصابة الأهداف، في وقت تحدث فيه مسؤولون إيرانيون عن استمرار إنتاج الصواريخ الباليستية بمعدلات تتجاوز استخدامها.
وقال نقدي إن معدل إنتاج الصواريخ الباليستية الإيرانية يتجاوز معدل إطلاقها، معتبرًا أن امتلاك قدرات صاروخية متنامية يمثل أحد عناصر الردع في مواجهة الولايات المتحدة.
وفي ظل الفجوة بين القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية والأمريكية، تتجه طهران بصورة متزايدة إلى الاعتماد على الحرب غير المتكافئة، من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة والاستفادة من نفوذها في مضيق هرمز، بما يسمح لها بفرض تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية على خصومها.
وتستهدف هذه الاستراتيجية، وفقًا لتقرير لشبكة "الجزيرة"، جعل أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي مستقبلي أكثر تكلفة، من خلال توسيع نطاق المواجهة وعدم حصرها في ساحة الاشتباك المباشر.
لماذا تتجه إيران إلى العقيدة الهجومية؟
يرتبط التحول المعلن بتقييم طهران لتجارب المواجهات العسكرية السابقة، إذ يشير الموقع الإيراني "إيران واير"، إلى أن الاستراتيجية الدفاعية القائمة على الرد لم تنجح في منع تكرار الهجمات، وهو ما دفع القيادة الإيرانية إلى تبني تصور جديد للردع يقوم على التهديد بالمبادرة العسكرية.
وفي هذا السياق، يرى مسؤولون إيرانيون أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها المادي والعسكري، تواجه تحديات استراتيجية تحد من قدرتها على تحقيق أهدافها، وأقر نقدي بأن الميزانية الدفاعية الأمريكية تزيد بنحو مئة ضعف على الميزانية السنوية للقوات المسلحة الإيرانية، لكنه اعتبر أن الفارق المادي لا يعكس وحده موازين القوة، مستندًا إلى ما وصفه بـ"قوة الإيمان" والعزيمة الروحية.
كما اتهم محمد رضا نقدي، واشنطن بالسعي إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وتفتيت إيران، مدعيًا أنها أخفقت في تحقيق أهدافها خلال المواجهة الأخيرة، واضطرت إلى تغيير أولوياتها العملياتية بصورة متكررة. ولم يقدم وثائق مستقلة أو أدلة عسكرية موثقة تدعم هذه الادعاءات.
وربط المسؤول الإيراني بين الضغوط الاقتصادية والتحركات الداخلية في بلاده، معتبرًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى استغلال الانقسامات والصعوبات الاقتصادية لتحقيق أهدافها، بدلًا من الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة.
توجيهات مجتبى خامنئي وإعادة ترتيب القيادة العسكرية
تزامن الإعلان عن التحول العقائدي مع خطوات لإعادة ترتيب القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية، إذ أصدر مجتبى خامنئي توجيهات استراتيجية لكبار القادة تضمنت الرد الفوري والفعال على أي هجوم عسكري أو إرهابي جديد دون قيود جغرافية، وتحديث بنك الأهداف ليشمل الأصول الأمريكية والإسرائيلية المادية والمعنوية.
كما دعا إلى زيادة إنتاج الذخائر والأسلحة وتعزيز قدرات الاستخبارات العسكرية والدفاع، مؤكدًا أن إيران ستحدد بنفسها موعد وشروط إنهاء أي نزاع جديد.
وشملت التعيينات العسكرية تثبيت عدد من كبار القادة في مناصب رئيسية شغرت خلال الحرب الأخيرة، إلى جانب تعيين محسن رضائي ممثلًا شخصيًا للمرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي، وتعيين أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري الإيراني.
وفي تفسيره لدلالات هذه التوجهات، أوضح نقدي أن المطلوب هو تعزيز القدرات لتحقيق أقصى درجات الردع، ورفع مستوى الاستعداد لتنفيذ عمليات هجومية ذكية وانتقائية وموجهة ضد الخصوم، عندما تقرر القيادة أن الظروف تستدعي ذلك.
وبذلك، لا يقتصر التغيير المعلن على توسيع مدى الصواريخ أو زيادة مخزون الأسلحة، وإنما يتصل بإعادة صياغة مفهوم الردع الإيراني، من الاعتماد على الرد بعد وقوع الهجوم إلى الاستعداد لامتلاك زمام المبادرة وتوسيع نطاق العمليات المحتملة خارج الحدو، ويظل الفارق قائمًا بين إعلان امتلاك القدرة على تنفيذ هجمات هجومية وبين اتخاذ قرار فعلي باستخدامها.