إعلان

نهاية النموذج الربحي المقلوب.. كيف تعيد الصحافة بناء اقتصادها بنموذج الـ6 أجنحة؟

أشرف جهاد

كتب - أشرف جهاد

07:00 م الثلاثاء 21 يوليو 2026

«الصحافة لا تموت لأن الجمهور اختفى، بل لأن النموذج الاقتصادي الذي كان يحول انتباه الجمهور إلى إيرادات لم يعد يعمل كما كان»

خلال عشرين عاماً، عاشت الصحافة الرقمية على معادلة واحدة: مزيد من الزيارات يعني مزيداً من الإعلانات، وبالتالي مزيداً من الأرباح. لكن هذه المعادلة بدأت تنهار في وقت تتراجع فيه الزيارات المجانية، وتتقلص عوائد الإعلانات، بينما تزداد تكلفة إنتاج الصحافة الجيدة.

تواجه الصحافة حاليا ثلاث حقائق واضحة:

  1. الزيارات المجانية تتراجع بسبب Discover وZero Click والسوشيال.
  2. الإعلانات وحدها لم تعد تكفي: خصوصًا الإعلانات البروجراماتيك.
  3. الجمهور ما زال مستعدًا للدفع، لكن ليس مقابل الخبر الخام.

بشكل ما، تشي هذه الحقائق الثلاثة بنهاية عصر "النموذج الربحي المقلوب"، الذي طورته الصحافة للتعايش مع عصر الإنترنت.
المعادلة البسيطة: قراءات أكثر + إدارة إعلانات جيدة = أرباح أكثر. لم تعد فاعلة في الوقت الحالي. لم تعد الزيارات كثيرة أو مضمونة، ولم تعد الإعلانات قادرة وحدها على توفير التمويل المطلوب لاستدامة العمل الصحفي.
وبات الآن على كافة الصحف والمواقع الإخبارية البحث عن نماذج ربحية جديدة تتأقلم مع الواقع التقني، والمزاج العام لاستهلاك الأخبار. وهو ما يمكن اعتباره أكبر التحديات التي تواجه الصناعة الآن.
السوق العربي، يبدو أكثر تعقيدا من السوق الدولي، الدفع مقابل الأخبار ليس خيارا مطبقا بشكل واسع حاليا. الخدمات الإعلامية- خصوصا في المؤسسات الكبرى- لا تزال مجانية، اعتمادا على النموذج الربحي المقلوب "قراءات+ إعلانات= أرباح". لكن هذا النموذج يواجه عثرات مصيرية حاليا، انهارت القراءات بسبب "معركة عمالقة التكنولوجيا" وتقلصت أرباح الإعلانات البروجراماتيك، وهبطت أرباح المؤسسات للنصف، في مقابل تصاعد المصروفات. فيما لا يزال القارئ يتمسك بالبحث عن المصادر الموثوقة.
ويمنح الواقع الحالي والتوقعات المستقبلية لشكل الصحافة، فرصا للمواقع الصحفية لبناء نماذج ربحية تقوم على مصادر وأدوات دخل متنوعة. ويمكن بناء أكثر من نموذج ربحي، عبر تنويع مصادر الدخل مع تحويل المؤسسة من ناشر أخبار إلى مزود معرفة وخدمات وثقة.
ويبقى "النموذج الربحي الهجين" هو النموذج الأقرب للنجاح في السوق العربي حاليًا. ويمكن أن يقوم في الشكل الحالي على الدمج بين 6 أجنحة لجني الأرباح، مع توزيع النسب وفق ظروف المؤسسة:

الجناح الأول: محتوى مجاني للوصول (مصادر الدخل: الإعلانات المباشرة والبروجراماتيك)

تبقى الأخبار المجانية المفتوحة هي أداة الوصول للمواقع. ووظيفتها:

  • الحضور في جوجل.
  • الحضور في Discover.
  • الحضور على السوشيال.
  • بناء العلامة التجارية.
  • جذب المستخدم الجديد.

بشكل ما، تبقى الأخبار المجانية مهمة، على الأقل لفترة انتقالية، للإبقاء على الجمهور وبناء العلامة التجارية، وأيضا مواصلة جني ما تبقى من أرباح الإعلانات البروجراماتيك والمباشرة. لكن لا يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الربح الأساسي.

ويمكن للمؤسسات تطوير أشكال أكثر عصرية للربح من المحتوى المجاني، مثل البودكاست والرعاية وهي من الأدوات الربحية مرتفعة النمو حاليا. فالإعلانات المدمجة داخل البودكاست ما زالت تحقق CPM أعلى من كثير من الإعلانات التقليدية.

الجناح الثاني: اشتراك للتحليل (مصادر الدخل: جدران الدفع + الترخيص)

إذا كنت تريد أن يدفع القراء مقابل خدمتك الإعلامية، فعليك أن تقدم لهم ما يجعلهم يدفعون لأجله: التحليلات والتفسيرات.
وتحتاج المؤسسات هنا لتطوير جدران دفع مرنة، تجعل الوصول للخبر العام مفتوحا، وتمنع الوصول لتقارير القيمة (التحليل والتفسير والمحتوى الحصري) إلا بالاشتراك.
وهنا يمكن للمؤسسات الربح من اتجاهين: اشتراك القراء + تراخيص استخدام المحتوى الحصري.
فمثلا يمكن للمؤسسة الربح من ترخيص الفيديوهات القصيرة، عبر إنتاج Reels/Shorts وبيعها أو ترخيصها لـ(قنوات تلفزيونية، ومنصات رقمية، وشركات إعلامية). وهو ما يعني أن تجني المؤسسة دخلا متكررا من هذه الفيديوهات.


الجناح الثالث: نشرات بريدية مميزة لبناء الولاء (مصدر الدخل: اشتراكات العضوية)

بدل أن يدفع القارئ ثمن الخبر أو التحليل، يدفع ثمن الانتماء للمجتمع الصحفي، يشمل:

  • نشرات خاصة
  • جلسات مباشرة مع المحررين
  • مجموعات نقاش
  • تقارير حصرية
  • إمكانية اقتراح موضوعات

ويمكن للمؤسسات أن تطور اشتراكات طبقية (Tiered Subscription):

الجناح الرابع: تقارير قطاعية للشركات Intelligence Reports (مصدر الدخل: اشتراكات الشركات B2B)

بدلا من نشر الخبر فقط، يمكن للمواقع إعداد تقارير تحليلية معمقة وبيعها للشركات والبنوك، مثل:

  • اتجاهات الاقتصاد
  • تحليل المخاطر السياسية
  • رصد الرأي العام.
  • توقعات القطاعات
  • تقارير شهرية للشركات

وهذه التقارير، مصدر دخل عال، ويمكن أن تصبح مصدرا أساسيا لدخل المؤسسة الصحفية.

الجناح الخامس: اقتصاد الخدمات الإعلامية (مصدر الدخل: رعايات + اشتراكات)

في عهد الطباعة، كانت مؤسسة الأهرام تحقق أرباحا ضخمة من وراء مطابعها الكبرى، وشركتها الممتدة في ربوع مصر للتوزيع.

وبشكل ما تحتاج الصحافة في عصر ما بعد المواقع إلى أنشطة جانبية تدر أرباحا لها، ويمكن ذلك عبر:

  • تنظيم مؤتمرات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والصحة، والطاقة.
  • مؤسسة تدريب تعليمية لا تتوقف عند الصحافة فقط.
  • شركة تسويق إلكتروني تعقد شراكات مع شركات وأطباء وتجار لإدارة صفحاتهم وحملاتهم الإلكترونية.
  • وكثير من المؤسسات العالمية تحقق من الفعاليات أرباحًا تفوق أرباح الموقع نفسه.


الجناح السادس: اقتصاد البيانات والمحتوى المهيكل (News API & Data Licensing) (الدفع مقابل استخدام المحتوى)

لم يعد المحتوى مجرد أخبار ومقالات، بل أصبح أصلاً رقمياً قابلاً للترخيص. فكل قاعدة بيانات، وكل ملف شخصيات، وكل جدول زمني، يمكن أن يتحول إلى منتج يباع عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، أو يرخّص لشركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية ومنصات الذكاء الاصطناعي.

ويمكن للمؤسسات بيع الوصول المنظم إلى محتواها عبر API إلى:

  • تطبيقات AI
  • شركات مالية
  • منصات تحليل
  • وكلاء ذكاء اصطناعي
  • مطورون

لذا تحتاج المؤسسات الصحفية بشكل عاجل إلى الاستثمار في بنيتها لبناء قواعد بيانات معرفية، لاستثمارها وبيعها للتطبيقات والمطورين والشركات المالية.

فبدل كتابة التقارير والمقالات فقط، يجب إنشاء:

  • ملفات شخصيات.
  • جداول زمنية
  • خرائط شركات
  • بيانات انتخابات
  • مؤشرات اقتصادية

وتوفير مثل هذه البنية سيتيح للمؤسسات أدوات متنوعة للربح عبر مثلا:

أ‌- ترخيص البيانات لوكلاء AI (B2B)

عبر بيع حق استخدام قاعدة البيانات الإخبارية لتدريب أو تغذية الوكلاء.

ب‌- اشتراك الوكيل الذكي (Agent Subscription)

تفترض سيناريوهات مستقبلية أن يصبح وكيل الذكاء الاصطناعي دور الوسيط بين المؤسسات الصحفية القراء، ليصبح لكل قارئ وكيله الذكي. ويدفع المستخدم لوكيله الذكي مقابل الوصول إلى مصادر موثوقة. وتتقاسم المؤسسة الإخبارية الإيراد مع منصة الوكيل.

ت‌- ختم الموثوقية (Trusted Source)

إذا أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي والوكلاء تختار المصادر الموثوقة، فيمكن للمؤسسة بيع خدمات تحقق وتوثيق للجهات الأخرى، والاستفادة من اقتصاد الثقة (Trust Economy).

وبشكل ما، يشكل النموذج الربحي الهجين، طوق نجاة للمؤسسات الصحفية، عليها أن تستثمر لتطويره سريعا. لتنويع مصادر دخلها بين الأجنحة الستة:

محتوى مجاني للوصول + اشتراك للتحليل (جدران الدفع) + اشتراك العضوية (الاشتراكات الطبقية) + بيانات وتقارير للشركات (B2B) + API لوكلاء الذكاء الاصطناعي+ فعاليات ومؤتمرات

والفكرة الأساسية في نموذج الـ6 أجنحة هي الفصل بين وظيفة الوصول ووظيفة الربح؛ فالمحتوى المجاني يبني الحضور والانتشار، بينما تأتي الإيرادات الأساسية من التحليل والعضوية والخدمات والبيانات.

خلال عشرين عاماً، باعت الصحافة الانتباه للمعلنين. وخلال العقد القادم، ستبيع الثقة والمعرفة والخدمات والبيانات. هذه ليست مجرد وسائل جديدة للربح، بل انتقال كامل من اقتصاد الزيارات إلى اقتصاد القيمة. ومن يبدأ هذا التحول اليوم، قد يكون من القلائل الذين سيبقون في سوق إعلامي يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان