إعلان

القلق والغضب.. منظور وجودي

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الأحد 30 أغسطس 2026

يختلف الإرشاد الفلسفي جذريًا في جوهره عن الإرشاد النفسي، ويمكن القول بأن الإرشاد الفلسفي مرحلة مفصلية مهمة في حياة الفرد لفهم ذاته وتنميتها.

وفي ظل عالم تسوده الضغوط والعجلة، أصبح هناك عددٌ متزايد من البالغين بل والأطفال والمراهقين الذين يعانون من الغضب الخفي أو القلق المستمر. فتارة يُضمرون مشاعر الاستياء من الطريقة التي تُعاملهم بها الحياة، وعندما يحاولون التعبير عن إحباطهم عادة ما يقابلهم الآخرون بالانتقاد ومحاولة التصحيح، وتارة أخرى ينغمسون في غمة وجزع وإحساس بالضيق والاختناق، تصل إلى فقدان المعنى في الحياة برمتها.

يناقش كتاب الفيلسوفة والمعالجة الوجودية إيمي فان دويرتسن Emmy van Deurzen «القلق والغضب من منظور وجودي» (دار مزيج، 2023) ميكانزمات العلاج الوجودي لحالتي القلق والغضب الوجودي عبر نماذج تطبيقية. في الكتاب الذي ترجمه كلٌّ من دينا عفيفي ومازن المريح، نطالع كيف تُعد هذه المشاعر استجابات طبيعية لحقائق الوجود البشري لا مجرد أمراض عقلية؛ فالقلق والغضب يعكسان محاولة الفرد فهم ذاته وإيجاد معنى لحياته وسط عالم مليء بالضغوط والصراعات.

تُقدِّم إيمي فان دويرتسن مقاربة فلسفية وعلاجية لفهم اثنين من أكثر الانفعالات الإنسانية حضورًا في حياتنا المعاصرة: القلق والغضب. فالكتاب لا ينظر إليهما بوصفهما اضطرابين نفسيين ينبغي التخلص منهما فحسب، بل باعتبارهما خبرتين وجوديتين (Existential Experiences) تكشفان عن طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم، وبذاته، وبالآخرين.

تنطلق المؤلفة من فكرة أساسية مفادها أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم سريع الإيقاع، مليء بالضغوط والتوقعات والصراعات، الأمر الذي يجعل القلق والغضب جزءًا من التجربة اليومية. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذين الشعورين، بل في طريقة فهمهما والتعامل معهما. فمحاولة قمعهما أو إنكارهما لا تؤدي إلا إلى تعميقهما، في حين يتيح التفكير الفلسفي تحويلهما إلى فرصة لفهم الذات وإعادة بناء الحياة على أسس أكثر وعيًا.

ينبغي القول إن الغضب الوجودي هو الغضب الموجه للحياة ذاتها، وهو شعور تغلغل بالاستياء من الوجود البشري، والذي قد يتجلى في صورة شعور غير واضح بشكل كامل بالظلم أو في صورة تمرد هائل على العالم، ذلك التمرد الذي يمكن أن يتحوّل إلى نوبات غضب شديدة لأتفه الأسباب. لكن ليس ثمة جدوى تُذكر من اقتراح مهارات إدارة الغضب على من يعانون من ذلك الغضب الوجودي؛ لأن هذا سيؤكد لديهم بمنتهى السهولة أن العالم المحيط بهم لديه توقعات غير واقعية فيما يتعلق بالالتزام بالمعايير الاجتماعية وكبح جماح المشاعر.

وتذهب إيمي فان دويرتسن إلى أن الكثير من البالغين الذي عادةً ما نصفهم بأن لديهم مشكلة في التحكم في أعصابهم لديهم تاريخٌ طويلٌ من الغضب خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة والتي لم تُقابَل بالتفهُّم، وكثيرًا أيضًا ما يكون هناك تاريخٌ من محاولات فاشلة للحل. وعلى النقيض من ذلك فهناك آخرون تمكنوا من كبح قدرتهم على التمرد تمامًا لدرجة أن الغضب أصبح مخفيًا تحت مجموعة من الغض الطرق الأخرى غير المثمرة في التعامل مع العالم.

من يعاني من الغضب الوجودي يتطلع بشدة كي يشعر بكرامته الذبيحة ويتطلع للتقدير لقدرته التي لا بأس بها على التفاعل بشكل مثمر وبنَّاء في العالم حتى وإن كانت قدرة مُحبَطة. يعاني هؤلاء من اعتقاد خاطئ بعدم إمكانية تلبية احتياجاتهم وبأنه لا يمكن السماح بتقبُّل قدراتهم وآرائهم دون انتقادات. لذلك فإن أي محاولة للعلاج في مثل هذا الوضع لا بدَّ أن تُركز على استعادة القدرة على تمالك أنفسهم والتخلص من أي شيء يسبب الشعور بالخزي.

يبدأ العلاج على الأرجح من خلال استكشاف المعاني والقيم التي أدت إلى شعورهم بهذا القدر من الظلم، كما يتطرق العلاج إلى التوقعات غير الواقعية التي تجعلهم يدورون في حلقات مفرغة من الاضطهاد والإحباط والعنف. لن تحدث هذه التجليات إلا عندما يشعر الشخص الذي يعاني بأن المعالج يحترمه وعندما يعلم أنه تكون هناك عودة للطرق المُعَدَّة سلفًا والحيل التي يسهل توقعها والتي تجعله يمر بتجارب غير مرغوب فيها.

ويركز الكتاب على العلاج الوجودي (Existential Therapy)، الذي يختلف عن المقاربات النفسية التقليدية؛ إذ لا يسعى إلى إزالة الألم بأي ثمن، وإنما يساعد الإنسان على مواجهة أسئلته الكبرى حول الحرية، والمسؤولية، والمعنى، والموت، والعزلة، والاختيار. فالقلق، في هذا السياق، ليس عدوًا للإنسان، بل إشارة إلى أنه يقف أمام إمكانات جديدة أو قرارات مصيرية تتطلب منه تحمُّل مسؤولية وجوده.

إن العلاج الوجودي يعمل مع الوجود البشري بأكمله، من خلال النظر في تجاربه الخاصة في أبعاد مختلفة: بيولوجية، اجتماعية، سياسية، وجودية، روحية) من منظور متعدد الطبقات، بدلًا من مجرد معالجة الحالات الذهنية والسلوكية الفريدة من منظور نفسي.

فنجد كُلًا من سارتر وألبير كامو يؤكدان: «أنه من الواجب على الإنسان أن يخلق معناه الخاص به، لأنه وبهذه الطريقة فقط بإمكانه التغلب على قلقه، وحماية ذاته من الشعور بالعدم»، في حين يزعم فيكتور فرانكل: «أن الشغل الشاغل للإنسان هو البحث عن المعنى في الحياة»، واقتبس بذلك قول كيركيغارد بأن «الالتزام غير المشروط هو مفتاح الحياة ذات المعنى».

يشير تركيز كيركيغارد على الالتزام غير المشروط إلى أن الحياة ذات المعنى لا توجد في مساعي المتعة أو تراكم الإنجازات الخارجية، بل في العمق والإخلاص والتفاني الذي لا يتزعزع الذي لا يجلبه المرء لالتزامه الذي اختاره. ومن خلال تبني مثل هذا الالتزام، يمكن للأفراد العثور على الهدف والأصالة والشعور بالتعالي الذي يتجاوز وجودهم المحدود.

كما تحلل المؤلفة الغضب بوصفه استجابة إنسانية طبيعية للشعور بالظلم أو الإحباط أو فقدان السيطرة، لكنها تُميز بين الغضب الذي يتحول إلى تدمير للذات والآخرين، والغضب الذي يمكن أن يصبح قوة دافعة للتغيير الإيجابي والدفاع عن الكرامة والحقوق. وهكذا يتحوّل الانفعال من عبء نفسي إلى طاقة وجودية إذا أُحسن فهمه وتوجيهه.

يعتمد الكتاب على حالات واقعية ونماذج تطبيقية، يبيّن من خلالها كيف يساعد الإرشاد الفلسفي (Philosophical Counselling) الأفراد على إعادة قراءة تجاربهم، واكتشاف المعاني الكامنة وراء معاناتهم، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو الحلول السطحية. فالغاية ليست تقديم وصفات جاهزة للسعادة، وإنما تمكين الإنسان من بناء علاقة أكثر صدقًا مع ذاته ومع العالم.

وتنبع أهمية هذا العمل من كونه يجمع بين الفلسفة الوجودية، وعلم النفس، والخبرة العلاجية، في أسلوب واضح يجعله قريبًا من القارئ المتخصص وغير المتخصص على السواء. كما يبرز أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل ممارسة عملية تساعد الإنسان على مواجهة أزماته اليومية بعقل أكثر وعيًا وحكمة.

يبقى «القلق والغضب من منظور وجودي» من أبرز الكتب المعاصرة التي تعيد الاعتبار للفلسفة بوصفها أسلوبًا في العيش، وتؤكد أن الإنسان لا يتجاوز معاناته بالهروب منها، بل بفهمها وتأويلها، وتحويلها إلى فرصة للنمو واكتشاف معنى أعمق لوجوده.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان