إعلان

حين تنهار الرواية...

محمد منير

كتب - محمد منير

07:00 م الأربعاء 06 مايو 2026

في صيف عام 1971، نشرت صحيفة نيويورك تايمز وثائق سرية من سبعة وأربعين مجلدا أطلق عليها الأمريكيون اسم "أوراق البنتاغون"، كشفت أن الحكومة التي أرسلت أبناءها إلى الغابات الفيتنامية لم تكن تُدير حربا فحسب، بل كانت تُدير رواية عن الحرب، وأن الروايتين لم تكونا يوما متطابقتين.
في تلك اللحظة، التقطت الفيلسوفة الألمانية الأمريكية هانا أرنت الخيط الذي فات العسكريين والسياسيين: ليس السؤال "من انتصر؟"، بل "لماذا كذبت دولة على شعبها حتى كادت تصدق كذبها؟". نشرت تأملاتها في مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" في نوفمبر من ذلك العام تحت عنوان "الكذب في السياسة: تأملات في أوراق البنتاغون"، ثم أدرجتها موسعة كفصل افتتاحي في كتابها "أزمات الجمهورية" الصادر عام 1972. في ذلك العمل رصدت أرنت ظاهرة لم تكن حكرا على أمريكا ولا على فيتنام: حين تُصبح إدارة الصورة بديلا عن إدارة الواقع، لا تُضلّل الحكومة شعبها فحسب، بل تبدأ في تضليل نفسها. وحين يحدث هذا، يكون الانهيار مسألة وقت لا مسألة قوة.
ما لفت أرنت ليس أن السياسيين كذبوا، فهذا قديم قدم السياسة نفسها، بل أنهم بدأوا يتصرفون كما لو كانوا يؤمنون بكذبهم. الظاهرة التي رصدتها، وقد أسمتها هي بنفسها "صناعة الصورة"، هي أن صانعي القرار في واشنطن لم يكونوا يديرون الحرب في فيتنام بقدر ما كانوا يديرون الصورة التي يريدون أن تظهر عليها حرب فيتنام. وحين انكشفت الصورة الحقيقية، بدأت الكارثة.
الشاهد على ذلك لم يأت من المنتقدين، بل من أحد مهندسي الكارثة أنفسهم. وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، الذي قاد أرقى دوائر التخطيط في واشنطن بمنهجيته الصارمة، نشر عام 1995 مذكراته "بأثر رجعي: مأساة فيتنام ودروسها" فكتب فيها العبارة التي صارت أيقونة للاعتراف التاريخي: "نحن، في إدارتي كيندي وجونسون، الذين شاركنا في قرارات فيتنام، كنا مخطئين بشكل فادح". الاعتراف لم يكن أخلاقيا فحسب، بل معرفيا: الجهاز الذي أُسِّس لصناعة الصورة فقد في النهاية القدرة على رؤية الواقع.
هذا المفهوم، إدارة الصورة بديلا عن إدارة الواقع، ليس مجرد ملاحظة تاريخية؛ إنه مفتاح لفهم نمط متكرر في سلوك الدول يمتد من واشنطن في الستينيات إلى طهران في العقود الأخيرة. وهنا لن يكون السؤال عسكريا ولا حتى أخلاقيا فحسب، بل فلسفيا في جوهره: ما الذي يحدث للسلطة حين تفقد قدرتها على تفسير أفعالها؟
للإجابة، لا بد من فهم البنية الداخلية للنظام الإيراني لا مجرد سلوكه الخارجي. وهنا يُقدّم الفيلسوف الألماني ماكس فيبر ثلاثة مصادر للشرعية السياسية: التقليدية المستندة إلى الإرث، والكاريزمية المستندة إلى الزعامة الشخصية، والقانونية العقلانية المستندة إلى المؤسسات. بيد أن النظام الإيراني بنى شرعيته على نمط جديد رابع يمكن تسميته تحليليا: الشرعية الرمزية للقضية، أي الإيمان الجماعي بأن الدولة تجسد مشروعا تاريخيا أكبر منها، صراعا مع القوى الكبرى تُقدّم نفسها فيه حاملة لواء المظلومين في كل مكان، لا فرق بين عربي وغير عربي، سني وشيعي.
هذه الفكرة لم تولد من فراغ. حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، أدرك الخميني أن الشرعية الدينية وحدها لا تكفي لبناء نفوذ إقليمي، وأن الشيعية كهوية طائفية ستظل محدودة الأثر في منطقة أغلبها سني. فصاغ خطابا أوسع، خطاب المستضعفين ضد المستقوين والمستكبرين، يتجاوز حواجز المذهب والقومية ليخاطب كل من يشعر بالغبن في مواجهة الغرب أو إسرائيل أو الأنظمة القائمة. كان الخطاب يجمع في وقت واحد الشيعي اللبناني والسني الفلسطيني والمثقف العروبي الذي لا يؤمن بالدين أصلا، ويوحدهم تحت سقف واحد اسمه "المقاومة".
المشكلة أن هذا البناء يحمل في داخله بذرة تناقضه: حين تصبح القضية أداة للنفوذ لا غاية في ذاتها، يصبح هذا النوع من الشرعية بالغ الهشاشة حين يتسع الفارق بين الصورة والواقع. لا تُراجَع السردية، بل يُعاد تشكيل الواقع ليناسبها، وهذا بالضبط ما رصدته أرنت في واشنطن، وما يتجلى اليوم في طهران.
على مدى عقود، بنى النظام الإيراني خطابه على محورين لا يقبلان التفاوض: أمريكا العدو البعيد، وإسرائيل العدو الوجودي. هذا الثنائي لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان العمود الفقري للهوية التعبوية الداخلية؛ به تُحشد الجماهير، وبه تُسوَّغ التضحيات، وبه تُصاغ الشرعية يوما بيوم. غير أن الفجوة بين هذا الخطاب وحقيقة الأفعال كانت تتسع في الخفاء، حتى انكشفت دفعة واحدة حين طالت الضربات دولة خليجية مستقرة لم تكن طرفا في أي من هذين الصراعين المُعلنين.
المفارقة الصارخة: حين تستقبل الإمارات مؤخرا الصواريخ والطائرات المسيّرة بينما تمر حاملات الطائرات الأمريكية في مرمى النظر دون استهداف، وتبقى إسرائيل، العدو الأكثر حضورا في الخطاب، خارج دائرة الفعل المباشر، فإن السؤال يكتسب ثقلا لا يمكن تجاهله: من هو العدو فعلا؟ وبأي مبدأ يُحدَّد؟
الإجابة الضمنية أشد إدانة من أي اتهام صريح: العدو الحقيقي ليس من يحمل قيما مختلفة، بل من يبني نموذجا ناجحا. ومن هنا تحديدا تبدأ قراءة ما جرى. فالإمارات لم تُستهدف رغم ابتعادها عن الصراع، بل ربما بسببه.
على مدى نصف قرن، بنت الإمارات نموذجا أثبت ما يتناقض مع الأطروحة الإيرانية في جوهرها: أن الاستقرار والتنمية والانفتاح ليست تنازلا عن الهوية. دولة نشأت في أرض قاحلة على الخليج، لم تملك في بداياتها سوى إرادة البناء والبصيرة الاستراتيجية، فأسست بها واحدة من أكثر المدن توهجا في العالم، وأحد أكثر المطارات ازدحاما وربطا بين الشرق والغرب. الإمارات اليوم ليست مجرد دولة؛ هي حجة لا تُرد في النقاش العالمي حول ما تستطيعه دولة حين تختار البناء، دولة أدارت التنوع الديني والثقافي لأكثر من مائتي جنسية داخل أراضيها بوصفه ثروة لا تهديدا.
هذا النموذج المزدهر، المنفتح، المؤسسي، القادر على النجاح دون أن يفقد هويته، هو ما لا تستطيع الأطروحة الإيرانية تحمله. لأن نجاح الإمارات ليس مجرد إنجاز لدولة جارة؛ إنه دحض صامت للأيديولوجيا التي تقول إن المواجهة هي الطريق الوحيد، وإن الاصطفاف خلف راية القضية هو الثمن الواجب لكرامة المنطقة.
حين يصمد هذا النموذج، تصبح الضربة العسكرية وسيلة لما عجز عنه الخطاب. وهنا تتكشف الخسارة الإيرانية الحقيقية، قبل أي ميدان وبعد أي صاروخ.
في العلوم السياسية، أخطر التحولات ليست تلك التي تُعلَن، بل تلك التي تحدث ضمنيا دون تفسير. حين يُعاد تعريف "العدو" دون خطاب يُسوّغ هذا التحول، ينهار العقد الأخلاقي بين الدولة وجمهورها.
جزء كبير من النفوذ الإيراني الإقليمي لم يكن قائما على القوة العسكرية فحسب، بل على "الشرعية الرمزية" لفكرة المواجهة، وهي الفكرة التي تتآكل سريعا الآن، فما جرى لا يمكن قراءته باعتباره انحرافا طارئا، بل هو تجل متوقع لنمط طويل في إدارة الصراع الإيراني القائم على الغموض في تعريف العدو. ليس عيبا في الاستراتيجية، بل جزء أصيل منها، لكن ثمنه تراكمي، ويُسدَّد دفعة واحدة حين ينكشف.
كلمة أخيرة:
في مقالته "السياسة واللغة الإنجليزية" (1946)، كتب جورج أورويل: "اللغة السياسية صُمِّمت لجعل الكذب يبدو صادقا والقتل محترما، ولإعطاء وهم الصلابة لمجرد الهواء".
العبارة لا تصف نظاما بعينه؛ تصف ديناميكية متكررة في تاريخ الأنظمة التي تجعل من الخطاب بديلا عن الفعل، ومن الشعار أداة للتعبئة لا التزاما بالحقيقة. وهذا أخطر ما تواجهه دولة تستمد شرعيتها من فكرة: ليس ما تخسره في الميدان، بل ما تفقده في قدرتها على تفسير ما تفعل. لأن الحرب تُخاض في مستويين متوازيين: مستوى الأرض والسلاح، ومستوى الرواية والمعنى. والهزيمة على المستوى الثاني أشد فتكا، لأنها لا تُعلَن وتفاوضاتها لا تُحسَم.
في المقابل، تبقى الإمارات، الدولة التي استوعبت الضربة وواصلت مسارها دون أن تنجر إلى دوامة التصعيد، نموذجا لما يعنيه أن تكون السياسة فعلا لا خطابا.
عند هذه النقطة، لم يعد السؤال من يضغط الزناد، بل من يملك حقيقة تبقى… ومن يطلق الرصاص ليؤخر لحظة سقوطه.
في النهاية، لا تُهزم الأنظمة حين تنفد ذخيرتها. بل تُهزم حين تفقد معناها.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان