إعلان

باسم الرب... أُبيد البشر

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

07:00 م الإثنين 18 مايو 2026

لم تكن النبوءة، يا صديقي، وعدا بالدم في بدايتها، ولا رسالة نزلت من السماء كي تُقسِّم البشر على أساس العِرق أو العقيدة أو الهوية. كانت في جوهرها صرخة أخلاقية، وصوتا يُحذر الإنسان من الوحش المختبئ داخله قبل أي شيء آخر. لكن التاريخ، حين مر على النصوص القديمة، لم يتركها كما هي؛ أخذها إلى ساحات السياسة والحرب، وبدل معناها شيئا فشيئا، حتى تحول الوحي إلى خريطة صراع، وتحولت النبوءة من نور يهدي إلى سكين يُشهر في وجه الإنسان نفسه.

منذ خروج بني إسرائيل من مصر، ظلت فكرة «الوعد الإلهي» مركزية في الوعي اليهودي؛ وعد بالأرض، والخلاص، والتمكين. لكن المشكلة، يا عزيزي، لم تكن يوما في الإيمان نفسه، بل في الطريقة التي استُخدم بها هذا الإيمان لاحقا. فما كان يُفترض أن يكون دعوة للسمو الروحي والأخلاقي، تحول عبر القرون إلى مشروع سياسي يرتدي عباءة المقدس. لم تعد «الأرض الموعودة» رمزا للطمأنينة، بل صارت ذريعة لاقتلاع شعب كامل من أرضه، وكأن السماء منحت بعض البشر حق امتلاك الأرض بمن عليها.

وحين نقترب من النص التوراتي نفسه، سنجد أن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو. ففي بعض الروايات، خاصة في أسفار مثل «يشوع» و«صموئيل»، يظهر الإله في صورة القائد العسكري الذي يبارك الحروب ويأمر بالإبادة الجماعية. تُحرق المدن، ويُقتل الرجال والنساء والأطفال باسم «التطهير الإلهي»، وكأن القداسة لا تتحقق إلا فوق الركام. هذه الصورة، يا صديقي القارئ، لم تبق حبيسة النصوص القديمة، بل تسللت عبر الزمن لتصنع عقلا دينيا يرى الآخر عدوا بطبيعته، ويرى الخلاص مرهونا بإلغائه.

ومع صعود الحركة الصهيونية الحديثة، خرجت تلك النبوءات القديمة من الكتب إلى الواقع. لم يعد الحديث عن «يشوع» و«أرض كنعان»، بل عن القدس وغزة والضفة الغربية. فجأة، تحولت الأسطورة إلى برنامج سياسي، وصار الاحتلال يُقدَّم باعتباره تنفيذا لوعد سماوي. كل مستوطنة تُبنى على أرض فلسطينية تحمل في داخلها أثر تلك الرواية القديمة، وكل جدار يُقام يُقال عنه إنه جزء من «تحقيق النبوءة». وهنا تحديدا تكمن الخطورة، يا عزيزي، حين تتحول الفكرة الدينية إلى سلاح جغرافي يُعاد به تشكيل الأرض والتاريخ والإنسان.

الأخطر من ذلك أن المشروع الصهيوني لم يكتفِ بتوظيف النصوص، بل أعاد إنتاجها داخل الوعي العالمي كله. الإعلام، والسينما، والتعليم، والخطاب السياسي الغربي، شاركوا بدرجات مختلفة في ترسيخ فكرة أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل «قدر تاريخي» لا يجوز الاعتراض عليه. حتى الخطاب الغربي الذي يرفع شعارات الحرية والعلمانية، بدا أحيانا وكأنه يتعامل مع الاحتلال بوصفه تحقيقا لنبوءة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المساءلة.

وهنا، يا صديقي، يصبح السؤال أكثر إيلاما: ماذا يحدث حين يتحول المقدس إلى مشروع هيمنة؟ ماذا يبقى من الدين عندما يُستخدم لتبرير القتل؟ إن أخطر ما فعلته الصهيونية ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال المعنى نفسه. لقد جرى تقطيع النصوص وإعادة تركيبها لتخدم مشروعا سياسيا محددا، حتى صار الله حاضرا في الخطاب بوصفه مبررا للحرب، لا رادعا لها. وكأن السماء تحولت، في هذا التصور، إلى غرفة عمليات مفتوحة لإدارة الدم.

ولعل مأساة الفلسطيني اليوم لا تكمن فقط في القصف والحصار والقتل، بل في أنه يُقتل أحيانا داخل رواية دينية تعتبر موته جزءا من تحقيق الوعد. كل بيت يُهدم، وكل طفل يُنتشل من تحت الأنقاض، وكل أم تبكي أبناءها، يتحول في هذا الخطاب إلى تفصيل صغير داخل «النبوءة الكبرى». إنهم يكتبون تاريخهم فوق أجساد الآخرين، ويقيمون صلواتهم فوق أنين الضحايا، ثم يطلبون من العالم أن يرى في ذلك «حقا مقدسا».

لكن الحقيقة، يا عزيزي، أن النبوءات الحقيقية لم تأتِ يوما لتمنح الإنسان رخصة للقتل. كل الرسالات الكبرى كانت دعوة للعدل، وكبح الطغيان، وإنقاذ الإنسان من وحشيته، لا إطلاقها باسم الرب. أما حين يتحول المقدس إلى أداة سياسية، فإن الدين يفقد روحه، ويتحول الإيمان إلى ماكينة ضخمة لإنتاج العنف.

لقد فقدت النبوءة معناها حين تحولت إلى مشروع استعماري، وفقد الإنسان ملامحه حين صار مجرد رقم داخل حرب تُدار باسم السماء. وما لم يدرك العالم أن أخطر الأسلحة ليست القنابل وحدها، بل الأفكار التي تمنح القتل قداسة، فسيظل الدم يُراق كل يوم تحت اللافتة نفسها: «هذا وعد الرب».

لكن قل لي، يا صديقي… أيُّ إله يمكن أن يطلب من إنسان أن يبني خلاصه فوق جثة طفل؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان