معجم الوأد
يأتي كتاب «معجم الوأد» (بيت الحكمة، 2023) للدكتور محمد فكري الجزار ليناقش موضوع المرأة وحريتها -هي وقسيمها في الإنسانية الرجل- هدفه، في السبيل إلى بناء شخصية عربية غير فصامية، وبالتالي بناء مجتمع سوي لا يعرف التمييز الاجتماعي والحقوقي بين أفراده نساء ورجالا، ومن دون سقوط في التسوية الفجة (ص 17).
يهدف النقاش إلى تحقيق شخصية عربية متكاملة، خالية من الازدواجية، مما يؤدي إلى مجتمع تتضافر فيه جميع الذوات بانسجام وتناسق لبناء مستقبل أفضل. يأتي ذلك في إطار ثقافة نقدية تتبنى التنوع والاختلاف ضمن نسق واحد، لصياغة خطاب نقدي متوازن يتجنب التطرف والإفراط والتفريط.
في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب، يقول المؤلف إن «إشكالية الكتاب في حركة الجمع اللغوي وشروطها غير العقلية وغير العلمية، فقد كانت البداوة الخالصة شرطا مركزيا تفرعت عنه شروط لضمانها. وقامت المعاجم في معظمها على محصول هذه الحركة» (ص 11).
يرى المؤلف أنه «بفهم بدوي للنص الديني تشكل خطاب للجماعات الدينية أخذ يتطور بتطور هذه الجماعات، بدءا من الإخوان المسلمين فالسلفيين فالسلفية المقاتلة فداعش فطالبان. وقد نال المرأة من أثر هذا الخطاب ما يتجاوز عنف البداوة وإكراهاتها» (ص 12).
ويذهب إلى القول بأن لمشكلاتنا خصوصيتها، ومقاربة حلولها يجب أن تكون لها خصوصيتها كذلك، وذلك على أساس من هويتنا العربية والإسلامية، من أجل مجتمع سوي تندرج فيه ذواته متكافئين وجوديا وسيكولوجيا وحقوقيا وبلا تمييز، أيا كان أساس هذا التمييز. والسبيل إلى هذا الهدف طويل ومليء بالعقبات والعراقيل، وأول مهماته وأولاها المراجعة النقدية للثقافة التي أفرزت هذا التمييز وتفكيك خطاباتها، لمنعها من استنساخ التشوهات التي أنتجتها.
تحتاج هذه المراجعة إلى رؤية مختلفة واختلافية معا، رؤية تسترجع لكي تراجع، وتستعيد لكي تسائل وتمتحن، ولا تتعالى على ماضيها فهو -بكل متنه وهوامشه- يسكننا، بل تسلط عليه/علينا نقدها، لصياغة المستقبل خطابا يتوسط بين حدي التطرف: الإفراط والتفريط. وهكذا رؤية قادرة على استحضار المغيب، واستنطاق المسكوت عنه.
يسوق المؤلف أمثلة للتدليل على صحة رأيه، ومن ذلك مفردة «إنسان» في معجم لسان العرب لابن منظور؛ إذ يقول:
«لو أن ابن منظور ذكر أن مفردة إنسان لا تؤنث، لحسبنا أن الأمر أمر سماع من أهل باديتهم، ولكنه نفى نفيا جازما تأنيثها. وعلى الرغم من الشهوة السردية عند ابن منظور، فلم يستطرد إلى الرواية عن علماء اللغة في هذا الصدد كما يذكر ويستكثر كلما سنحت له الفرصة. إنما يكتفي بنفيه: «ولا يقال: إنسانة» ليضع كل الصيغ التي اشتقت منها الكلمة الممنوع تأنيثها وكل ما دلت عليه تحت خانة «المذكر»، لينفرد «الرجل/الذكر» بنوعه لا شريك له في اسمه، ولا ينبغي أن يكون له شريك فيه. ولأن الشراكة في اللغة تحيل إلى شراكة في الوجود ولا بد، كان نفي تأنيث كلمة إنسان لغة نفيا لما تحيل إليه وجودا، وكأن ابن منظور يقول ضمنا: «لا وجود لإنسانة» لكي تؤنث كلمة «إنسان»، فهكذا قضت اللغة (البدوية)» (ص 37).
ويرى د. الجزار أنه «يعتمد المعجم العربي، في إخفاء خطابه الذكوري، على تسليم الكلمة إلى أخرى، وتسليم الأخرى إلى ثالثة، فالعقلية الذكورية لا تفتأ تنزع منازعها عائدة إلى مرتكزاتها، حتى في أكثر الكلمات تسوية بين الخلق وعدم التمييز بينهما. ويتبنى المعجم، في هذا الصدد، تكنيكين: التأويل والإرجاء، ويتضافر الاثنان في إخفاء الخطاب الاجتماعي والتحكم بالمعنى اللغوي وتوجيهه له. يوظف تكنيك التأويل في محو مسافة الاختلاف بين الكلمة – الكلمة والكلمة- المعنى، الأمر الذي نراه مسؤولا، إلى حد كبير، عن إشكالية الترادف Synonymy في اللغة العربية» (ص 43).
في موضع آخر، يقول د. الجزار: «إن اعتبار نساء جمع امرأة من غير لفظها، نظرا لعدم وجود مفرد لنساء، ولا جمع لامرأة، يشوش على الرسالة التي تحملها خصوصية كل من المفردتين، وهي رسالة تعبر عن تصور المجتمع العربي البدوي للأنثى، سواء في فرديتها: امرأة، أو في جمعية جنسها: نساء» (ص 82).
العمود الفقري للكتاب ليس قضية ذكورية الخطاب الثقافي العربي، بقدر ما هي عملية حفر نقدي في أسس الثقافة العربية من خلال بحث العلاقة بين الوحدتين الأساسيتين لبناء أي مجتمع الرجل/ المرأة، فهذا الالتواء في العلاقة بين الرجل والمرأة التي أصل لها الخطاب المعجمي العربي، هو مجرد مثال للالتواء في صميم الثقافة العربية، أو بمعنى أصح هو أساس الالتواء العام في مسار الثقافة العربية.
وصميم ذلك الخطاب الذي حاول «معجم الوأد» تعريته هو الخطاب البدائي القابع خلف مفردات اللغة، حيث إن اللغة العربية لم تتخلص من بداوتها بعد دخولها أطوار التحضر، بل احتفظت بتلك البداوة وجعلتها معيار الفصاحة، فظلت بذلك حاملة للمضامين الثقافية لمجتمع البداوة، فأصبحت مفردات اللغة غير محايدة، بل معبأة بمخزون ثقافي بدوي، تحول من كينونته الزمنية المتغيرة، إلى كينونة مطلقة تمارس دورا معياريا، وعندما يصبح البدائي معيارا، فالمنجز الحضاري بصفة عامة، وما يتعلق منه بطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة بصفة خاصة، سوف يخضع لتلك المعيارية، وبذلك تكون النتيجة محسومة لصالح البدائي في مقابل المتحضر.
في سياق التأصيل للخطاب الذكوري، تحولت الرؤية الدونية للمرأة إلى كيان ثقافي حاكم لكل من الرجل والمرأة في آن واحد، فأصبحت المرأة في الثقافة العربية لا تخرج عن سياق النموذج الثقافي الذكوري، ويبدو ذلك صارخا من خلال نظرة المجتمع برجاله ونسائه لإنجاب الذكر، وهذه الذكورية هي ميراث عربي قبل إسلامي ظلت عالقة بعقلية العربي وتم تحويلها من خلال رمزية اللغة -زورا وبهتانا- إلى جزء من الإسلامي، رغم أن الإسلامي منها براء، بل جاء الإسلامي -ضمن أهم ما جاء به- للقضاء على مخلفات تلك العقلية الجاهلية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع