إعلان

التدخين في مصر.. تجارة المزاج

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

08:34 م الأربعاء 29 أبريل 2026

يُشكّل القرن التاسع عشر الحقبة التي انتشرت فيها تجارة الدخان، وأحدثت تحولا كبيرا في شكل وأدوات التدخين، إلى جانب الأهمية الاقتصادية والثقافية التي رافقت هذه التجارة، بداية من اقتصارها على الهنود الحمر في أميركا اللاتينية وصولا إلى انتشارها في جميع أنحاء العالم، ليصبح التدخين طقسا لتحسين المزاج أو مصاحبا لليالي السمر في الشرق.

حول التدخين وتجارة الدخان في مصر، يأتي كتاب «التدخين في مصر في القرن التاسع عشر» (الهيئة العامة للكتاب، 2020)، وهو عبارة عن رسالة الماجستير للباحثة رحاب شعبان الدماطي. سبقت هذا الكتاب دراسة أخرى للباحثة هيام صابر بعنوان «الدخان والمجتمع المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر» نُشِرت أيضا في «الهيئة العامة للكتاب» عن سلسلة تاريخ المصريين.

تدلّل الدماطي في دراستها على أن التدخين كان منتشرا في الدولة الإسلامية قبل القرن التاسع عشر، حيث اكتُشفت «نرجيلة» مزخرفة بالنقوش موجودة الآن في «متحف الفن الإسلامي» تعود إلى عصر الدولة الصفوية. كما أن هناك حفائر تمت بين عامي 1755 و1756 في مدينة أوست، اكتشفت وجود أطلال لمصنع كان ينتج الشبك، بالإضافة إلى حفائر البعثة اليابانية عام 1994 في وادي الطور، وحفائر البعثة الفرنسية عند القلعة عام 2000، اللتين أثبتتا وجود مجامر خاصة بالشبك تعود إلى الفترة ما بين القرن الـ16 إلى القرن الـ19 الميلادي.
لعبت نباتات (التبغ-الحشيش-الأفيون) دورا في الحياة الاقتصادية لمصر في القرن 13هـ / 19م، حيث ساهمت في زيادة العوائد على الخزينة المصرية، بعد أن اهتم محمد علي بزراعة هذه النباتات، وحرص على بناء الفابريقات (المصانع الصغيرة)، وسار على نهجه عدد من خلفائه، لتلعب هذه النباتات دورا مهما في التجارة بين مصر وسائر البلدان في القرن التاسع عشر.

كان التبغ يُزرع في عصر محمد علي وأسرته في بلدة الشلال جنوب جزيرة فيلة على شاطئ النيل، وفي مدينة طيبة (الأقصر حاليا)، وفي جزيرة تفنق بمديرية قنا وبوادي الدخان بالقرب من وادي أم سدرة بقنا، وفي الحميدات بقنا، وفي بلاد الزنار بحوض أسيوط وفي البداري شرقي البحر الأعظم، وفي المعابدة وهي قرية من قسم أبنوب وبمعصرة أبنوب وفي سلمون وجرجا في سوهاج، وفي السريرية في مديرية المنيا، وفي جرزة وهي جزيرة تقع بين بني سويف والجيزة، وفي صول شرقي أطفيح بحري الكريمات ويُعرف هناك بالسروال، وفي جزيرة من الصوان وهي قريبة من المجرى الشرقي وعُرفت بجزيرة بلاق القديمة، وفي الخصوص بالقليوبية بحري منية السرج، وفي سرياقوس ويُعرف هناك بالتنباك، وفي قرية شبشير عند مصب الفرعونية بمديرية المنوفية، وفي العلاقمة بمديرية الشرقية.

إلى جانب التبغ، أدخل محمد علي زراعة الحشيش، وكان يُزرع في منطقة الجبل بمحطة رابغ على طريق الحاج، وفي غربي البحر تجاه أسوان من الناحية الغربية، وفي طيبة وتركزت زراعته في مدينة هابو، وفي أسيوط على طرف حاجر الجبل الغربي، وفي كفر الشيخ ويُسمى بحشيشة الفقراء.

أراد محمد علي استخدام أعواد الحشيش والأفيون في صناعة الملابس للجنود وحبال التيل للأسطول البحري المصري لمتانته بدلا من الكتان. وبالفعل كان يوكل للنساء في الدلتا استخدام أمشاط نبات القنب التي توزعها الحكومة عليهن لاستخدامها في الغزل والنسيج. إلا أن محمد علي وعائلته حرّموا زراعة الحشيش بعد تقارير رُفِعت إليهم بأن النبات الجديد أثّر سلبا على صحة المصريين واستُخدِم كمخدر. النبات الثاني الذي زرعه محمد علي هو الأفيون الذي استقدم بذوره من آسيا الصغرى، وجلب من أزمير بعض الأرمن الخبيرين في زراعته، وكان يُزرع في الصعيد. لكن قبل ذلك، ذكر كوهين العطار (القرن الثالث عشر الميلادي) في كتابه «منهاج العطار» أن أفضل أفيون كان يُزرع في مصر في منطقة أبو تيج في أسيوط وبلدة قاو في وسط صعيد مصر.

بعد محمد علي، انحسرت زراعة الأفيون والحشيش، وظلت زراعة التبغ هي السائدة، إلى أن أبرم الخديو توفيق اتفاقية مع اليونان بضغط بريطاني، لاستيراد التبغ اليوناني بجمارك إنجليزية. وبذلك، أصدر قرارا يجرّم زراعة التبغ على الأراضي المصرية. وفي عهد سعيد باشا، أصبحت مصر سوقا دوليا منافسة لتجارة السجائر التي راجت بسبب سهولة استخدامها عكس النرجيلة أو الشبك التي تحتاج إلى طقوس معينة. لكن السجائر لا تحتاج إلى الكثير من الوقت، ما ساعد العمال على التركيز في أشغالهم. واستخدمت بعض الدول الأوروبية العلامات التجارية للسجائر المصرية لعمل رواج تجاري للسجائر الخاصة بها.

تم تصدير واستيراد مواد التدخين من وإلى الدول الأوروبية ومختلف أنحاء الدولة العثمانية في تلك الفترة، وكان لمواد التدخين دور كبير في عوائد الدخولية للخزينة المصرية، كما تناول كتاب الدماطي أدوات التدخين التي وردت بالوثائق والمتاحف المصرية على اختلاف أشكالها من (الشبك، الجوز، الحشيش، النرجيلات، المناقد، حامل الشبك، أكياس حفظ التبغ، علب حفظ التبغ والسجائر)، حيث ذكرت أسعار بعض هذه الأدوات ووصف بعضها.

ونظرا لسهولة هذه الصناعة مع توافر السوق الكبير، فقد أقبل الشوام واليونانيون والأرمن على تصنيع السجائر، وأسّس اليوناني نستور جيناكليس عام 1864 أول «فابريقة» (مصنع) لتصنيع السجائر. وتبعه الكثير من الأرمن والشوام واليونانيين في افتتاح الكثير من المصانع الصغيرة التي كانت تعتمد في البداية على الصناعة اليدوية ومئات العمال والإنتاج حسب الطلب.

توضح هيام صابر في دراستها أن دخول الآلات في إنتاج السجائر كان سببا في إضرابات عمال الدخان يومي 25 و26 أغسطس عام 1889. لكن هذه الاحتجاجات خمدت بسبب عشوائيتها وعدم تنظيمها، لكنها كانت نواة لأكبر إضراب في تاريخ الطبقة العاملة المصرية عام 1899، برز فيها دور العمال الأجانب لما تمتعوا به من حماية قنصلية للأجانب.

اعتمدت دراسة الدماطي على وثائق من المحاكم الشرعية وسجل التجار وحجج رسمية من وزارة الأوقاف لتعرف مدى انتشار تجارة التدخين في مصر التي بيّنت أنها كانت منتشرة في كل أنحاء مصر ومملوكة لرجال ونساء أُطلق على كل منهم اسم «الدخاخنية» ولهم طائفة أقرب إلى شكل «النقابة» تنظم حركة البيع والشراء، وكان مقرها يقع في منطقة منوف بعيدا عن العاصمة.

وتشير د. عبير حسن عبد الباقي إلى أن الاحتلال البريطاني لمصر اهتم بتحويل الدخان من منتج محلي إلى سلعة تجارية. وفي عام 1887، سعى اللورد كرومر إلى فتح باب دخل جديد على هيئة رسم يؤخذ على الدخان المصري، وكان يُدفع حتى ذلك العهد عن كل أقة منها رسوم قدرها ثلاثة قروش، وكان يؤدى عن كل فدان مزروع دخانا ضريبة قدرها 250 قرشا. رأى كرومر أن هذه الضريبة زهيدة وتوفر حماية شديدة للدخان المصري، لا سيما أن الدخان الذي كان يُجلب من بلاد اليونان أو من تركيا كان يؤدى عن كل أقة منه ضريبة قدرها 12.5 قرشا. هذا بالإضافة إلى أن ازدياد زراعة الدخان المصري، واستهلاكه محليا قد قلل بطبيعة الحال عملية استيراد الدخان الأجنبي، فحُرمت بذلك خزانة المالية من دخل جمركي كبير. بناء على ذلك، ألغيت الرسوم القديمة، ورُفِعت ضريبة فدان الدخان من 2.5 جنيه إلى 30 جنيها.

وترتب على ذلك أن حصّلت الحكومة في عام 1888 من الرسم الجمركي المفروض على الدخان الوارد ربحا صافيا قدره 333 ألف جنيه مصري، في حين تراجع دخل ضريبة الدخان إلى 10 آلاف جنيه.

ثم رأى اللورد كرومر في عام 1890 أن الدخان المصري ما زال محميا حماية شديدة لأنه ما زال يُزرع على الرغم من ثقل ضريبته، فأصدر بلاغا رسميا حدد فيه مساحة الأراضي التي تزرع دخانا: 1500 فدان.

وبعد أشهر قلائل من ذلك حُظرت زراعة الدخان حظرا باتا، وأنذر من يُقدم عليها بغرامة فادحة وبمصادرة محصوله. وفي الوقت نفسه رفع الرسم الجمركي على الدخان الوارد إلى أكثر من 40%، فبلغت رسوم الدخان الوارد في هذه السنة مليونا وألفي جنيه.

اهتمت الدراسات بالحديث عن أماكن بيوت القهوة أو المقاهي، ونشر بعضها صيغًا للعقود المبرمة لفتح هذه الأماكن التي كان غرضها الأساسي هو التدخين.

الشاهد أن التدخين لم يكن مقتصرا على الرجال فحسب، فكانت النساء تدخن السجائر والنراجيل والشبك والحشيش أيضا باعتبار أن التدخين وسيلة من وسائل الترفيه والتسلية في حياتهم اليومية.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان