فوضى الحوار على الهواء: كيف فقدت القنوات قدرتها على اختيار من يستحق
في عصرٍ لم يعد فيه الصوت مرآةً للعقل، بل صار صدىً للضجيج، تتكاثر الوجوه على الشاشات كما تتكاثر الظلال في ممرٍ ضيق، بلا ملامح حقيقية، بلا وزن، بلا معنى. وجوهٌ تُستدعى لا لعلمٍ تحمله، ولا لتجربةٍ تُنير، بل لشيءٍ آخر خفيّ، أقرب إلى صفقةٍ تُعقد في الظل، حيث يُشترى الحضور كما تُشترى المساحات الإعلانية، ويُباع الكلام كما تُباع السلع الرخيصة في أسواقٍ فقدت رقابتها، حتى صارت الشاشة أشبه بدكانٍ مفتوح، لا يسأل الداخل إليه عمّا يحمل، ولا عمّا سيقول، بقدر ما يسأل عمّا سيُثيره من ضجيج.
تفتح الشاشة، فتجد نفسك أمام مشهدٍ متكرر، كأنه طقسٌ يومي من طقوس العبث؛ ضيفٌ لا يعرف من الموضوع إلا عنوانه، يلوّح بيديه، يرفع صوته، يختلق معركةً وهمية، ثم ينصرف، تاركًا وراءه فراغًا أكبر مما كان. تتبدل الأسماء، لكن الملامح واحدة، اللغة واحدة، السطحية ذاتها التي تُعاد وتُكرر حتى تبهت، حتى تصير عادة، حتى يعتادها المشاهد، وكأن الرداءة قدرٌ مفروض، لا مهرب منه ولا فكاك.
هنا، لا بد أن نتوقف، لا لنرثي الحال، بل لنُسمّي الأشياء بأسمائها دون مواربة. ما يحدث ليس مجرد خطأ عابر في الاختيار، ولا زلة مهنية هنا أو هناك، بل هو انحراف كامل في البوصلة. حين تُستضاف الأصوات التي لا تملك شيئًا، فذلك ليس صدفة بريئة، بل قرار محسوب. قرار تحكمه حسابات المال، ونزعة الربح السريع، ولو كان الثمن هو تسطيح العقول، وإهدار قيمة الحوار، وتشويه فكرة الإعلام نفسها، حتى يغدو كل شيء قابلا للبيع، بما في ذلك الكلمة.
بعض القنوات، للأسف، لم تعد ترى في الضيف عقلًا يُحاور، بل مادةً تُستهلك. تبحث عن الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة. عن الأكثر صخبًا، لا الأكثر فهمًا. عن ذلك الذي يُشعل معركةً في دقائق، لا الذي يطرح فكرةً تحتاج إلى زمنٍ لتُفهم، وإلى عقلٍ ليتأملها. وكأن الهدف لم يعد تقديم معرفة، بل صناعة ضجيج، يُشبه الألعاب النارية؛ يلمع لحظة، يسرق الأبصار، ثم ينطفئ سريعًا، تاركًا خلفه دخانًا كثيفًا، يُعمي ولا يُضيء.
ولعل الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسة لا تتوقف عند حدود الحلقة أو البرنامج، بل تمتد لتُشكّل وعيًا عامًا مشوهًا. حين يرى المشاهد هذا النموذج يتكرر، يبدأ في تصديقه، أو في أسوأ الأحوال يتكيف معه، فينخفض سقف توقعاته، ويتراجع تقديره للمتخصص الحقيقي، لصاحب الرأي المتزن، للمثقف الذي يزن كلماته قبل أن ينطق بها. هذه النماذج الهادئة، العميقة، لم تعد تجد لها مكانًا على الشاشة، أو إن وجدت، جاءت كضيفٍ ثقيل في زمنٍ لا يحتمل الهدوء، محاصرةً بمقاطعات، ومُقيدةً بإيقاعٍ سريع لا يسمح للفكرة أن تكتمل.
إننا أمام أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة مهنية. لأن من يفتح الشاشة، ويمنحها صوته، يتحمل مسؤولية ما يُقال عبرها، لا أمام مؤسسته فقط، بل أمام مجتمعٍ كامل. وليس من المقبول أن تُختزل هذه المسؤولية في أرقام المشاهدة، أو في حجم الإعلانات، أو في قدرة الضيف على إثارة الجدل. الإعلام ليس حلبة صراع، ولا ساحةً للمهاترات، بل مساحة للوعي، ونافذة يطل منها الناس على ما يدور حولهم، فإذا فسدت هذه النافذة، تشوهت الرؤية، واضطرب الفهم.
وليس خافيًا أن المال يلعب دوره الثقيل في هذا المشهد. هناك من يُستدعى لأنه “يجذب”، وهناك من يُكرر ظهوره لأنه “مطلوب”، وهناك من يُمنح المساحة لأنه جزء من شبكة مصالح لا تُرى، لكنها تُدار بإحكام. وهنا، يتحول الإعلام من رسالة إلى سوق، ومن منبر إلى سلعة، ومن حوار إلى مساومة. تُدفع الأموال، أو تُجنى المكاسب بطرقٍ ملتوية، ليبقى على الشاشة من لا يستحق، ويُقصى من يستحق، في معادلةٍ مختلة، لا تنتج إلا مزيدًا من التردي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى؟ إلى متى يظل هذا العبث مستمرًا، بلا مراجعة، بلا محاسبة، بلا إدراك لحجم الضرر الذي يتراكم يومًا بعد يوم؟ لأن ما يُهدر هنا ليس وقت المشاهد فقط، بل ثقته. والثقة، إذا انكسرت، لا تُرمم بسهولة. وإذا فقد الإعلام ثقة جمهوره، فقد كل شيء، مهما بلغت أرقامه، ومهما تضخمت أرباحه، لأن الأرقام قد تخدع، لكن الوعي لا يُخدع طويلًا.
الحل لا يكمن في المنع، ولا في إغلاق الأبواب، بل في إعادة الاعتبار للمعايير التي ضاعت. أن يكون هناك حد أدنى من الكفاءة، من المعرفة، من الصدق. أن يُختار الضيف لأنه يُضيف، لا لأنه يُثير. أن يُدار الحوار بعقلٍ يقظ، لا بعصبيةٍ مفتعلة. أن تعود للشاشة هيبتها، فلا يُترك المجال لكل من هبّ ودبّ ليعبث بها، ويُفرغها من معناها.
كما أن على المؤسسات الإعلامية أن تُدرك أن الربح الحقيقي لا يأتي من الإثارة الرخيصة، بل من بناء مصداقية طويلة الأمد. المشاهد قد ينجذب للحظة، لكنه لا يبقى إلا حيث يجد احترامًا لعقله. وإذا لم يجد هذا الاحترام، فإنه سينصرف، بهدوءٍ ربما، لكنه انصرافٌ قاطع، يبحث فيه عن بديل، عن صوتٍ يُنصت إليه لأنه يثق فيه، لا لأنه الأعلى ضجيجًا.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد تغيير في الوجوه التي تظهر على الشاشة، بل تغيير في الفلسفة التي تحكم ظهورها. أن نُعيد تعريف ما نريده من الإعلام، وما ننتظره منه. أن نرفض هذا الانحدار، لا بالصراخ، بل بالموقف، بالمطالبة، بالوعي. لأن الكلمة، في جوهرها، ليست مجرد صوتٍ يُقال، بل مسؤولية تُحمل، ومن يفرّط فيها، يفرّط في وعي مجتمعٍ كامل.
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا في مشهدٍ مزدحم بالأصوات: هل تستعيد الشاشة عقلها، وتعود إلى دورها الحقيقي كمنبرٍ للمعرفة، أم تظل أسيرةً لهذا الضجيج الذي يعلو، ثم لا يترك وراءه سوى صمتٍ ثقيل، ووعيٍ مُنهك، يبحث عمّن يُنقذه من هذا التيه؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع