إعلان

"الرسائل الصفراء" في زمن الحرب المجنونة

د. أمل الجمل

كتب - د. أمل الجمل

09:41 م الأحد 19 أبريل 2026

صحيح أنه فيلم يمكن اعتباره صرخة ضد السياسات القمعية والعقوبات الإقتصادية في أي بلد في أرجاء المعمورة، وأعتقد أننا في ظل الحروب المجنونة الدائرة اليوم فإن يُعبر عن لحظة حرجة جدا في أكثر من مستوى. حتى وإن كان لنا بعض التحفظات عليه.

أتحدث عن فيلم «رسائل صفراء» Yellow Letters للمخرج التركي الألماني إلكر تشاتاك، والذي بدأت جولاته الترويجية مع دور العرض الأوروبية، منطلقاً من ألمانيا ثم باريس - قبل أيام معدودة - وبشكل يكاد يكون مبكر ومُكثف ليس فقط في المهرجانات لكن أيضاً في بعض الصالات الأوروبية، وذلك بعد أسابيع قليلة جدا من فوزه بالدب الذهبي بمهرجان برلين السينمائى في دورته الــ٧٦ - الممتدة بين ١٢ - ٢٢ فبراير ٢٠٢٦. فكيف يمكن قراءة هذا الطرح المبكر للفيلم في الصالات الأوروبية؟ وما الذي يعكسه؟

لا يمكن إنكار أن جوهر الفيلم يَسر مهمة الترويج له، ومكنه من جذب الموزعين القادرين على تحريك الجماهير بدعاية لافتة مثيرة للعواطف. أما الجوهر فيدور حول تساؤل قديم متجدد: هل يستحق الموقف السياسي، والأخلاقي أساساً، التضحية بالحياة الشخصية، وما يتبعها من انهيارات على كافة المستويات؟
رغم قِدَم السؤال، لكن المعالجة العصرية الآنية مع مزج علاقة الأجيال حيث الجدة والحفيدة، وثورة الأخيرة - التي تمثل أعداداً غير قليلة في سن الجماهير المتمردين علي الأهل - وشجار محتدم بين الزوجين ضحايا النظام/ حتى وإن كان شجاراً مرتفع الصوت/ مفتعل في أجزاء منه/ ومبالغ فيه، لكن صناع الفيلم أدركوا أهمية ذلك في اللعب على الجوانب السيكولوجية للجماهير، فهى مشاهد معجونة بالشفقة والتوتر، مثيرة للعواطف والتعاطف حتى وإن لم تكن عقلانية أو لا تتوافق مع منطق الشخصيات أحياناً، لكنها لعبت دورها في الاهتمام بالفيلم وخلق هالة من حوله، والادعاء بأنه يحمل أبعاداً مُشوّقة أو عميقة، رغم أنه لا يحمل في أعماقه أي مستويات للتورية، فهو واضح تماماً، ولا يقول شيئاً أبعد مما ترى أو تسمع، حتى ما يخبئه في بعض المشاهد، يعود فيكشف عنه لاحقاً.

يروي الفيلم قصة زوجين يعملان في المسرح، الزوجة نجمة أولى، والزوج كاتب ومخرج مرموق ومعلم بالجامعة، الزوجة تصد أحد الوزراء وترفض لقائه عقب عرضها الناجح جدا، يحاول الزوج إشعارها بتأنيب الضمير، بأنه كان يمكنها أن تجامله وتتحامل على نفسها قليلاً، لكنها تبدو متعالية، وتظهر إحساساً عالياً بالذات وتضخم الأناة «الإيجو»، وسرعان ما يُبدي الزوج تجاوبه معها كأنه منصاع لها بحضور الابنة، في مشاهد غرامية، غير مقنعة.
حيوات الآخرين
على إثر هذا الرفض يُنغص عليهما الوزير الحياة، ويقلبها رأساً على عقب. يتم حصارهما، وتسليط أحد الطلاب على الزوج باستفزازه بأسئلة ليُسجل له رأيه السياسي ضد النظام، ثم رفعه على السوشيال ميديا، وتتوالى العواقب، والطرد من كل مكان حتى السكن، ثم البحث عن عمل، موقف أهل الزوجة من ذلك، مروراً بعمل الزوج سائقاً للتاكسي لدفع مصاريف ابنته، وصولاً للمكاشفة بين الزوجين حيث تتعامل الزوجة بأنانية مفرطة رغم تضحيات الزوج لأجل ابنته، وهو ما يضطره أن يقوم بدور البطولة لمسرحيته بنفسه.

المؤسف أن «رسائل صفراء» يقتبس تيمة ممثلة وكاتب المسرح وواقعة الوزير من فيلم آخر استثنائى في مضمونه المؤلم ولغته السينمائية البسيطة البليغة وعنوانه «حيوات الآخرين» للألماني فلوريان هينكل فون دونرسمارك، إنتاج عام ٢٠٠٦ حصد أوسكار أحسن فيلم أجنبي وبافتا، إضافة إلى ٤١ جائزة و٨٢ ترشيحاً.

لو تغاضينا عن ذلك، وعن كون الأحدث أقرب لدراما التليفزيون، وتوقفنا أمام اختيار المسرح كفضاء سردي وما يٌضيفه إلى الرسالة العامة للفيلم.. ربما لأن المسرح يواجه - هو أيضاً - تحديات عديدة في ظل العصر الحالي، يواجه منافسة شرسة مع التليفزيون على الأخص، ربما كان فضاءاً مناسباً لتحقيق إحدى نقاط الذروة بالفيلم عندما تنسحب الزوجة من مسرحية زوجها - التي كان سيتم إنتاجها بشكل مستقل - بفضل غواية إحدى وكيلات الدعاية التي أقنعتها بالعمل في مسلسل تليفزيوني.. وتحقق نجاحاً.
سينما مواجهة للقمع
بعض الصحف الأوروبية صنفت الفيلم على أنه ينتمي للموجة الجديدة من السينما التركية المعارضة.. فهل حقاً يمكن اعتبار Yellow Letters جزءاً من هذه الموجة؟.. أم أنه يقدم مقاربة مختلفة في تناول العلاقة بين الفن والسياسة؟ أعتقد أن رأيهم يصعب التصديق عليه حالياً، فالسنوات وتراكم الأعمال وحدها سوف يؤكد أو ينفي.
لكن يبقى التساؤل: لماذا تم تصنيف الفيلم بذلك؟ لأن هذا العمل وكذلك فيلم «الخلاص» للمخرج أمين ألبر - الأثنين - فازا بجوائز رئيسية في مهرجان برلين السينمائي السادس والسبعين، والاثنين أعمال بها مواقف سياسية معارضة، فهل ذلك يحمل دلالة على ازدهار السينما المعارضة في مواجهة القمع؟

برأيي أن العملين مبالغ في تقديرهما، أن الموقف السياسي رفع من تقييمها ودفع بهما للمقدمة رغم أن مستواهما السينمائى يأتي في مرتبة أقل من أفلام آخرى أكثر سينمائية كانت تتنافس معهما، وربما أفادهما أيضاً الرغبة في الرد على تصريح فيم فيندرز المخرج الألماني الذي طالب المخرجين بالابتعاد عن السياسة في أفلامهم، وذلك ردا على سؤال أحد الصحفيين الكبار عن دور المهرجان من القضية الفلسطينية؟ مما جعل لجان التحكيم في كافة الأقسام ترد على تصريح فيندرز بمنح أغلب الجوائز لأفلام ذات مواقف سياسية.

اللجنة/ التعرية/ الإسقاط
الحقيقة أن فوز «رسائل صفراء» يحمل أكثر من بعد، فرغم أنه في أحد جوانبه يبدو ترضية لألمانيا حيث عودتها لاقتناص الدب الذهبي مجددا بعد أكثر من عشرين عاماً، منذ فوز فيلم فاتح أكين «هد أون» ( head on ) بالدب الذهبي وجوائز آخرى عديدة. لكنه على صعيد آخر - وبعيداً عن الرد على تصريح فيم فيندرز - فإن الفوز إدانة واضحة وصريحة لألمانيا لأن الفيلم «رسائل صفراء» يبدأ بمشهد وكتابة عريضة تقول: «برلين كأنها أنقرة».
هذه الجملة لم تكن فقط بسبب عدم قدرة فريق العمل من تصوير الفيلم في تركيا، ولكنه في جانب منه الرغبة في إسقاط الهجوم ضد السياسات القمعية على ألمانيا أيضاً، مع إضافة لقطة تشحذ الغضب عند الجماهير بأن بطل الفيلم/ المسرحية يتعرض للتفتيش الذاتي الذي يجعل في النهاية يتعرى تماما، وهو ما يذكرنا بمسرحية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم.

الأمر الثاني: أن كلا الفيلمين من إنتاج شركة ليمان، وهي شركة إنتاج أفلام مستقلة من تركيا. شارك نادر أوبرلي، منتج فيلم «الخلاص» - الذي حصد جائزة أخرى كبرى في برلين نفس الدورة - في إنتاج فيلم «رسائل صفراء» مع إنيس كوستيبن، الذي بدوره أنتج وشارك في كتابة فيلم الكر تشاتاك. ثالثاً: أن كلا المنتجين في منتصف الأربعينيات من العمر، ويتم تصنيفهما على أنهما من الشخصيات البارزة في الموجة الجديدة للسينما التركية التي انبثقت من رحم أو من رماد الهيئة الوطنية لصناعة السينما التركية التي انهارت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وأفلام هذه المجموعة يميزها انغماسها في تراث تركيا العريق في المعارضة، تكشف مشاريعهم عن تركيا في لحظة حرجة من القمع السياسي والصعوبات الاقتصادية.
البعض يقول أن هذه الموجة تحتضن إرث يلماز جوناي، المخرج الكردي الذي تم سجنه بسبب معارضته، ومات عام ٨٤ .. والذي فاز فيلمه «الطريق» بالسعفة الذهبية لمهرجان كان عام ١٩٨٢ فهل حقاً هذه الموجة تحتضن إرث يلمز جوناي وتُضاهي مستوى لغته السينمائية؟

سؤال آخر يطرح نفسه بقوة: هل يمكن مقارنة هذين الفيلمين بالمستوى الرفيع لأفلام نوري بيلج جيلان؟ بالطبع لا؟ لأن أعمال جيلان هى الأجمل، والأصعب سينمائياً، لأنه يعتمد على الصمت الطويل الذي يتأجج بالصراعات الخفية الكاشفة، وسط كلمات قليلة جدا، لكن التعبيرات وإيماءات الوجه، والجسد تكشف تيارات تحتية متراكمة.
وهل يمكن مقارنة هذين الفيلمين الفائزين في برلين ٢٠٢٦ بمستوى أعمال فاتح أكين؟ لا.. فلا يوجد وجه للمقارنة السينمائية بين «رسائل صفراء» أو «الخلاص» باللغة السينمائية لفيلم «هد أون».

إن الأخير أعتبره ضربة سينمائية استثنائية. رغم أن للأفلام الثلاثة علاقة بالهوية التركية والغوص في التقاليد لكن الأخير لا يكتفي بتلك الذريعة، أقصد التمرد على التقاليد العنيفة ضد المرأة التي ترفض تزويجها بالقوة. فاتح أكين يقدم فيلماً مليئاً بالتجديد، بالعنف، إنه يصنع فيلماً سيكولوجياً رومانسياً لكنه ينتمي للرومانسية السوداء. إنه فيلم استثنائى ومن الظلم وضعه في مقارنة مع فيلم الكر تشاتاك «رسائل صفراء» الذي أعتبره أقل سينمائية والأكثر مباشرة والذي ينهض على حكايات مكرورة في أفلام صنعت قبل عشرين عاماً.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان