"مايسترو الثقافة".. نحو خارطة طريق وطنية لصياغة الوعي (1)
لا أتفاءل بوزير الثقافة الذي يجعل من الانتشار الإعلامي غايته عبر المشاركة في افتتاح المهرجانات والمعارض والأمسيات. فوزير الثقافة في دولة بحجم مصر، وريثة أعرق الحضارات وأغنى الثقافات، ليس متعهد حفلات ترفيهية، ولا ممثلا سينمائيا يسعى إلى تدشين نفسه نجما في سماء المحروسة. إنما ينبغي أن يكون عقلا ناضجا يسعى إلى صياغة الوعي العام وفق مستجدات كل مرحلة تاريخية، مستعينا بأدوات القوى الناعمة المصرية، في ضوء تكنولوجيا المعلومات التي صارت تفرض نفسها على العالم.
كما تفرض أبجديات العمل على المسؤول الثقافي الأول في مصر أن يعمل على تطوير المؤسسات الثقافية لتعظيم دورها، وهو أمر لن يتأتى إلا من خلال رفع كفاءة العاملين بالوزارة، ومواكبة أحدث المتغيرات المجتمعية والتكنولوجية للوصول إلى الجمهور المستهدف، ومن ثم التأثير فيه وربطه بالرسالة التي ترغب الوزارة في نشرها، في إطار التحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بالمنطقة.
لقد رصدت على مدار الأعوام الماضية عددا من القطاعات التابعة للوزارة، يمكن وصف أدائها بأنها "خرجت من الخدمة"، ولم يعد لها التأثير اللائق بوزارة الثقافة. فهناك مؤسسات لا تقوم بدورها، وتسعى لتعويض غيابها عن طريق تقديم أنشطة وفعاليات لا تناسب طبيعتها وهويتها، بل تتماس مع أدوار قطاعات أخرى. فيما تسعى قطاعات ثالثة إلى تقديم فعاليات يمكن وصفها بالروتينية التقليدية، ومن ثم لا تلقى الإقبال الجماهيري والزخم المطلوب.
وإذا كانت قطاعات الوزارة بمثابة فريق متكامل يسعى إلى تحقيق الفوز بعقل ووجدان الجمهور، فلن يتحقق ذلك إلا عبر رؤية واحدة متكاملة يضعها "مايسترو" العمل بالوزارة أو المدير الفني (الوزير) ببراعة، من خلال استراتيجية متكاملة، حتى تلعب كل المؤسسات في أماكنها الطبيعية على طول أرض القطر، لا أن تتكالب على تحقيق أهداف وتترك مواقعها؛ خشية ترك مساحة مفتوحة ينفذ من خلالها الخصم الذي قد يتمثل في الجهل أو التعصب أو الابتذال.
ولعل أبرز المساحات الشاسعة التي غابت عنها الوزارة في السنوات الماضية، دون دور حقيقي وفاعل، هي العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها المختلفة، مما سمح بتغيير كبير في صورة المثقف التقليدي في المجتمع، ليحل محله "المديوكر" من أنصاف المبدعين، وتسيطر ظاهرة المؤثرين على مواقع التواصل. ومن هنا صار لزاما على الوزارة أن تفكر جديا في استحداث مؤسسة رقمية تابعة لها، تعمل بخبراء تكنولوجيا وإعلاميين، لتحويل الكنوز الحقيقية من مخطوطات وتراث وإبداعات إلى مواد مرئية جذابة. ليس هذا ترفا، بل ضرورة وجودية لاستعادة دور الوزارة في تشكيل الوعي، خاصة بين الشباب، ولملء هذا الفراغ الكبير، وتحقيق عائد يمكن أن يكون ضخما إذا أحسن استغلاله، من خلال الاستعانة بخريجي كليات التكنولوجيا المنفتحين على العصر الرقمي الجديد، وفق رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي التي نادى بها في العديد من خطاباته.
وإذا عدنا إلى القطاعات القائمة بالوزارة، نجد المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم على مدار عام واحد عددا من المبادرات والفعاليات جعلت منه محورا لكثير من الأنشطة التي خطفت الأنظار، وتخلت عن الدعة والاستسلام الذي سيطر على بعض المؤسسات الكبيرة. فقد استحدث المركز مسابقة "سيد درويش للدراسات الموسيقية"، ومسابقة في الكتابة لمسرح الطفل ومسرح العرائس، وتم اختيار التيمة الأساسية لتكون مرتبطة بالشخصية الملك الذهبي توت عنخ آمون. كما استحدث مسابقة في مجال المسرح الشعري تحت اسم "مسابقة أحمد شوقي للمسرح الشعري"، وهي مسابقة موجهة لشريحتين من المبدعين: الأولى كتاب المسرح من شباب الجامعات، والثانية مسابقة عامة للمشاركة. كما أقام المركز معرض الزمالك للكتاب في دورته الأولى خلال الفترة من 6 إلى 15 أكتوبر 2025، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب، بمقر المركز في 9 حسن صبري بالزمالك.
كذلك أطلق المركز المبادرة الوطنية لإحياء وتطوير النشاط الثقافي والفني بالجامعات المصرية، واستحداث وحدة الإنتاج الإبداعي والوثائقي، وإحياء مشروع النشر بالمركز، واستعادة مشروع النشر الإلكتروني، وتدشين نادٍ للفنون، يحق الاشتراك فيه لكافة متلقي ومتذوقي الأعمال الفنية ممن هم فوق السادسة عشرة من عمرهم.
وفي مضمار المؤتمرات، أقام المركز مؤتمر "الإبداع والهوية.. صوت الشعوب" احتفالا باليوم العالمي للتنوع الثقافي، وكذلك مؤتمر "نحو سياسة وطنية لتطوير المسرح المدرسي". كما نجح المركز في استصدار قرارات وزارية بعدد من المبادرات، منها الاحتفال باليوم المصري للموسيقى سنويا، والاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية سنويا، وغير ذلك من الفعاليات التي تأتي ضمن هوية المركز.
لم يكن نشاط المركز القومي للمسرح العام الماضي وحده موضع إعجاب، بل جاء البيت الفني للمسرح ليقدم نحو 15 عرضا حققت نجاحا جماهيريا، بعد فترة شهدت نوعا من الركود. وكان لافتا أن أغلب هذه الفعاليات مستحدثة، مما يؤكد أن هناك الكثير من الأفكار الطازجة لدى القطاعات يمكن تطبيقها على أرض الواقع إذا توفر لدى القيادات الشغف الحقيقي للعمل.
أما بعض المؤسسات، مثل دار الكتب والوثائق القومية، وهي مؤسسة نوعية ذات أهمية قصوى تمتلك الكثير من الكنوز الحقيقية باعتبارها ذاكرة مصر، فأنشطتها كانت تقليدية، لا تحمل الخصوصية الثقافية ولا الأهمية العلمية التي تليق بمكانتها. ويكفي أن نذكر أن المكتبة القومية البريطانية تمثل أحد مصادر الدخل القومي للمملكة المتحدة، على عكس ما يحدث في دار الكتب من عوائق ومعاناة يواجهها الباحثون.
آمل خلال الفترة المقبلة أن تسعى الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، إلى تغيير الصورة النمطية التي تحكم العمل ببعض قطاعات الوزارة، خاصة أن أبرز التحديات التي تواجهها تتمثل في ملء الفراغ في الكثير من القطاعات الشاغرة، مثل دار الأوبرا المصرية، وقطاع الفنون التشكيلية، والعلاقات الثقافية الخارجية، والمركز القومي للترجمة، وغيرها من المؤسسات التي يُعاد تعيين رؤسائها بعد سن الستين، مثل دار الكتب والوثائق والمجلس الأعلى للثقافة.
ورغم هذا التحدي الكبير الذي يواجه الوزيرة، إلى جانب سيادة فكرة عدم وجود قيادات ثقافية قادرة على التجديد، فإنه يمثل في الوقت نفسه فرصة ذهبية لاختيار قيادات ثقافية فاعلة، تسير في انسجام مع رؤيتها.
نعم هناك العديد من الأنشطة الناجحة التي تنظمها وزارة الثقافة، إلا أن بعضها جاء متناثرا، بلا جذور، منبت الصلة، ولا يقع ضمن الأهداف العامة للاستراتيجية القومية. فهل آن الأوان لتحويل بعض المؤسسات إلى كيانات فاعلة؟ بحيث تصبح دار الكتب والوثائق مكانا للباحثين ومؤسسة رقمية تحقق عائدا قوميا وتصدر محتوى معرفيا، وتتحول قصور الثقافة إلى منارات في المحافظات، لا مجرد مبانٍ تقدم أنشطة تقليدية. خاصة أن وزيرة الثقافة الحالية ليست من وزراء الثقافة الذين يبحثون عن الصخب الإعلامي أو تقديم فعاليات كمية بلا مضمون، وهو أمر لن يتحقق إلا وفق رؤية استراتيجية متكاملة.
ما نطمح إليه اليوم هو، تطوير مؤسسي يخرج القطاعات من روتينها، واختراق رقمي يعيد توصيل التراث والثقافة إلى الجمهور بأساليب عصرية، وتوحيد الرؤية ليجعل كل مؤسسة تعزف دورها بتناغم، ضمن سيمفونية وطنية واحدة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع