الرابح الأكبر
تقرأ وأنت تتابع ما يجري حولك في العالم أن روسيا شنت واحدة من أضخم هجماتها على أوكرانيا، فتنتبه إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية صارت منسية في ظل انشغال الولايات المتحدة بحربها مع إسرائيل على إيران.
ليس هذا وفقط، ولكنك تكتشف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو تقريبًا الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فهذه الحرب تبدو وكأنها هدية جاءته من السماء، ويبدو هو وكأنه كان ينتظرها من زمان، وأنه ما كاد يتلقاها حتى راح يوظفها على أفضل ما يكون. فالهجمة الضخمة التي نقلت وكالات الأنباء تفاصيلها تقول إن موسكو تضغط بأقصى ما عندها ليكون لها الموقع الأفضل إذا ما جاءت ذات يوم لتجلس على طاولة للتفاوض مع الأوكرانيين.
وقد كان الأمل عند بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في آخر أيام فبراير، أن يكون لروسيا موقف واضح أو قوي منها، وألا تكتفي بالإدانة أو بالشجب، وأن تسعى إلى وقفها بما تملكه في يدها من أوراق، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، وبدا انشغالها بوقف الحرب، أو بأن يكون لها موقف منها، أمرًا فرعيًا أو هامشيًا في قائمة اهتماماتها!
بدت كذلك مع إن بينها وبين إيران الكثير، ومع إن المسيرات التي ظلت تضرب بها أوكرانيا كانت في غالبيتها مسيرات إيرانية!.. وقد قيل أمريكيًا إن الروس يمدون الإيرانيين بمعلومات استخباراتية فيما يخص حربهم مع أمريكا وإسرائيل، وأنه من الوارد أن يمدوهم بما هو أكثر من المعلومات الاستخباراتية، ولكن هذا مجرد تصريحات في الإعلام لم يثبت صحتها بشكل مؤكد.
وبصرف النظر عن هذا كله، فإن الوجه الآخر للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أن كاميرات الإعلام تحولت عن حرب روسيا مع أوكرانيا، وأن بوتين صار في وسعه أن يشن هجمة ضخمة من نوع ما تحدثت عنه وكالات الأنباء فلا ينتبه العالم ولا يهتم، لا لشيء، إلا لأن كل اهتمامه منصب هناك في الحرب على إيران!
هذا في حد ذاته مكسب كبير للروس، وهناك مكسب أهم هو أن روسيا استفادت ماديًا بشكل واضح من ارتفاعات أسعار النفط مع بدء الحرب على إيران ثم مع تواصلها.
فالحظر الذي كان مفروضًا على النفط الروسي مع بدء حرب روسيا على أوكرانيا في الرابع والعشرين من 2022 صار أخف حدة، والأمريكيون أنفسهم خافوا من ارتفاع أسعار النفط بأكثر مما ارتفعت، فخففوا من قبضتهم في تطبيق الحظر على تصدير النفط الروسي، وهكذا استفاد بوتين مرتين: مرة بارتفاع الأسعار، ومرة بالتساهل الأمريكي في تطبيق الحظر.
كانت الحرب في السودان توصف منذ بدايتها بأنها الحرب المنسية، ولكن مع مرور الوقت لم تعد هي وحدها كذلك، فإلى جوارها تقف الحرب على غزة التي لم تتوقف في حقيقة الأمر كما قد يظن ما يسمى بالمجتمع الدولي، وإلى جوارهما تأتي الحرب الروسية الأوكرانية لتصطف معهما هي الأخرى، ولكن مع اختلاف واسع بينها وبينهما.. فمن يتابع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ثم يرى مدى استفادة روسيا منها لا بد أن يهتف: صحيح.. مصائب قوم عند قوم فوائد!
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع