إعلان

مذبحة كرموز وقلوب تتفجر منها الدماء

أحمد سعيد

كتب - أحمد سعيد

07:14 م الثلاثاء 24 مارس 2026

هي لحظة، ضاعت فيها الرحمة، وغابت فيها الإنسانية.
لحظة حضرت فيها الدموع، وتعالت فيها الصرخات، وغرق فيها الضمير، وسط بركة من الدماء.
ربما كان هذا هو أقل وصف لما حدث في مذبحة كرموز بالإسكندرية، عندما قررت الأم إنهاء حياتها وحياة أولادها الستة في لحظة واحدة. وطلبت من نجلها الأكبر مساعدتها في قتل أشقائه جميعا، ثم قتلها وقتل نفسه، بعد ذلك، ليلحق بهم، وكأنهم ذاهبون في نزهة.
نعم، الأم تعرضت لضغوط كبيرة فاقت احتمالها، بدأت بالمرض، ثم بالزوج الذي عاملها بمنتهى القسوة، ثم تخاذل أهلها، وانتهاء بمأساة مروعة أوجعت القلوب. لكن ذلك مهما كان لا يبرر أبدا ما حدث.
فالقصة بدأت عندما تزوجت الأم في سن صغيرة لا تتجاوز الثامنة عشرة، من رجل أردني، ثم سافرا للعمل بالسعودية، وأنجبا أبناءهما الستة.
لكن الأم عادت إلى مصر مريضة بدون الزوج، لتكتشف إصابتها بالسرطان، الذي ما لبث أن انتشر في جسدها.
فطلبت من زوجها أن يقف بجانبها، وينفق على أولاده.
لكنه رفض بل وتهرب منها.
وبعدما أيقنت الأم من انتشار المرض في جسدها، وأنه بات يهدد حياتها، قامت بالاتصال بالأب مرة أخرى، وأخبرته بأن الوضع أصبح خطيرا وأن حياتها مهددة. وعليه أن يأخذ أولاده ليقيموا معه.
فكانت الصدمة الكبرى، التي زلزلت كيانها، عندما جاء رد الأب بكل قسوة، أنه تزوج من أخرى، ولم يكتف بذلك بل طلقها ورفض أن يأخذ أولاده ليعيشوا معه. مما جعل الدنيا تسود في عينها، وهي ترى أنها قد تفارق الحياة في أية لحظة، وتترك أولادها وحدهم، بلا أب أو أم.
والمؤسف المخزي أن أهلها أيضا تهربوا منها، ولم يقدموا لها أي نوع من المساعدة، أو الدعم، وهو موقف يدمي القلوب، ولا تكاد الكلمات تسعف أحدا في التعبير عنه.
وهو ما دفع الأم إلى أن تصل إلى لحظة، من لحظات الجنون. وأي جنون، لحظة قررت فيها إصدار حكم بالإعدام الفوري، على نفسها وعلى أولادها، وبدأت بالفعل في التنفيذ، حيث طلبت من نجلها الأكبر "ريان" 20 سنة وهو الناجي الوحيد من المذبحة أن يشتري شفرات حلاقة "أمواس" لاستخدامها في إزهاق أرواحهم، وقامت الأم بقطع شرايينهم جميعا، لتتدفق منها الدماء بغزارة.
ثم غلبهم النوم جميعا. ليستيقظوا في اليوم التالي، ويجدوا الطفلة "ملك" 10 سنوات قد فارقت الحياة بسبب النزيف. فأصرت الأم للمرة الثانية أن يلحق بها الجميع.
فطلبت من ابنها "ريان" وابنها "يوسف" قتل شقيقهما "ياسين" 15 سنة، حيث أمسك أحدهما بقدميه، وكتم الآخر أنفاسه بوسادة، حتى فارق الحياة، في الساعة الرابعة عصرا.
ثم قاما بقتل الطفلة "رهف" بنفس الطريقة، وأمسك شقيقها الأكبر بقدميها وقام الآخر بكتم أنفاسها بوسادة، حتى فارقت الحياة في الساعة الخامسة.
وطلبت الأم قتل ابنها "يحيى" لكنه قاوم وتشَبَّث بالحياة.
فقامت بنحرهم جميعا بأمواس الحلاقة من رقبتهم، وطلبت من ابنها "ريان" أن يساعدها في قتل شقيقه "يوسف"، فأطبق على وجهه بوسادة وكتم أنفاسه، وأمسكت الأم بقدميه، حتى فارق الحياة.
ثم أمسك الابن الأكبر بإيشارب والدته، وخنق شقيقه "يحيى" بمعاونة الأم، التي أمسكت بقدمي ابنها حتى لفظ أنفاسه هو الآخر.
وعقب الانتهاء من قتل الأبناء الخمسة جميعا، طلبت الأم من ابنها ريان أن يخنقها بذات غطاء الرأس، الذي قتل به أشقاءه، ثم يقوم بإنهاء حياته بإلقاء نفسه من أعلى العقار. وبالفعل قام الابن بخنق والدته بالإيشارب، حتى لفظت أنفاسها.
ثم ذهب لتنفيذ أمر والدته بالقفز من شرفة المنزل.
لكنه ما أن نظر إلى الشارع، على ارتفاع 13 طابقا، حتى شعر بالخوف، فقرر أن ينام على سور البلكونة، حتى يسقط وهو نائم. فشاهده الجيران وأنقذوه واكتشفوا الكارثة.
بالتأكيد التفاصيل المرعبة، للواقعة تفوق خيال كل مؤلفي أفلام الرعب في هوليوود.
فلو أننا رأينا أما تفعل ذلك بأبنائها في أحد الأفلام، وتسلسل القتل بتلك الطريقة المرعبة، لقلنا إننا أمام مؤلف دموي، صاحب خيال واسع.
فكيف لأم أن تسوق أولادها إلى الموت، واحدا تلو الآخر، وكأنها تزفهم للزواج، وليس إلى مصير مفجع مميت.
هل كانت تظن أنها في لعبة مع الموت!
هل كانت تظن أن ذلك هو الحل لكل مشاكلها؟!
ويا له من حل قاس مؤلم، فهل اليأس من رحمة الله حل؟!
هل إزهاق الأرواح البريئة حل؟!
إذا كان البشر قد خذلوك فرب البشر موجود.
وإذا نسي البشر أولادك فخالقهم لن ينساهم، وبالتأكيد سيتولاهم ويرزقهم، من حيث لا يحتسبوا.
ولكنها لحظة اليأس القاتلة، التي تنسي الإنسان كل شيء، لتدفعه دفعا لإيذاء نفسه، وإيذاء أقرب الناس إليه، بلا وعي، وبلا تفكير أو حتى عقل.
أما الأب الذي نسميه مجازا أبا، فهل سيشعر بمدى المصيبة التي حدثت، وهل سيندم على ما فعله، رغم أن عمره كله لن يكفيه ندما وألما. أم أنه سيواصل حياته وكأن شيئا لم يكن!
لكن الذي يقف الآن حاملا على عاتقه كل ما حدث، هو الابن الأكبر ريان، الناجي الوحيد، والذي سيواجه مصيرا محتوما أمام القضاء، وربما يلحق بأشقائه ووالدته، أو يقضي ما تبقى له من عمره في غياهب السجون، يتقطع ندما على ما حدث.
ولنا جميعا فيما حدث عبرة وعظة، وهي أن رحمة الله دائما واسعة ولا يجب أن نشعر باليأس أبدا، لأن الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد الأمور، وقادر على تغيير أي شيء في أي وقت.
كما يجب أن يعي الجميع أن الجحود وقسوة القلب، عواقبها وخيمة وخيمة جدا. وأن الرحمة ولين القلب، قد تجنبا كوارث لا يعلم مداها إلا الله.
فلو أن أهل الأم رحموها ورحموا أولادها، ووقفوا بجانبها لتغيرت أمور كثيرة. ولو أن الأب كان في قلبه مثقال ذرة من رحمة، على أبنائه وزوجته، لما حدث ما حدث.
ومثلما لم تجد الأم وأولادها من يقف بجانبهم في حياتهم، لم يجدوا من يتولى دفنهم بعد مماتهم، وتم دفنهم في مقابر الصدقة!
ويبدو أننا أمام قلوب تتوارى الحجارة من قسوتها.
لأن من الحجارة ما يتفجر منه الماء، لكنها قلوب على ما يبدو تتفجر منها الدماء.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان