إعلان

تداعيات المركزية الأفريقية "الأفروسينتريزم" على مصر

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:21 م الإثنين 16 مارس 2026

عانت مصر – شأنها شأن دول العالم الثالث – من المركزية الأوروبية "اليوروسينتريزم". فكل شيء وكل فكرة وكل تقدم بدأ في الغرب وينتهي في الغرب. أما المشرق العربي ودول العالم الثالث فلم تساهم – وفقا لأفكار المركزية الأوروبية – في تقدم الحضارة الإنسانية قيد أنملة. فقد أصبح الغرب هو المركز والمعيار لتقييم الحضارات.
إن جوهر فكرة المركزية الأوروبية يفترض أن التطور الحضاري والعلمي والسياسي قد سار في خط بدأ من اليونان وروما وصولا إلى أوروبا الحديثة، فيتم الحكم على دول العالم بناء على مدى تشابهها مع هذا النموذج. والنتيجة هي تهميش مساهمات الشعوب الأخرى في العلوم والفلسفة، أو تصوير التاريخ العالمي كقصة "انتصار الغرب".
وما لبثت معظم دول العالم الثالث أن تخلصت من الإرث الاستعماري الغربي – على الأقل من الناحية السياسية – إلا أن النموذج الغربي لم يتوقف عن أن يكون أو يفرض نفسه كمعيار للتقدم العالمي. حيث استمر التركيز على التنوير والثورات الصناعية المتتالية كعنوان للتطور.
وتجدر الإشارة إلى أن القضية ليست مجرد خلاف سياسي أو أكاديمي، بل هي صراع على "السلطة المعرفية"، بمعنى من يكتب التاريخ؟ ومن يضع تعريف "التقدم"؟
ولم ينته تأثير السلطة المعرفية للنموذج الغربي حتى ظهرت سلطة معرفية أخرى استمدت مشروعيتها من معاناتها التاريخية من الاستعمار الغربي وتهميشها واستغلالها. إلا أن هذه السلطة المعرفية الأخرى لم تتوجه نحو الغرب الذي استنزف مواردها وقهرها، بل توجهت نحو المشرق العربي ومصر بشكل خاص.
وتعرف السلطة المعرفية الثانية بالمركزية الأفريقية أو "الأفروسينتريزم". حيث لا يكفي دراسة أفريقيا، بل يجب دراستها من خلال "المركز الثقافي والقيمي الأفريقي"، بعيدا عن المصطلحات التي فرضتها القواميس الأوروبية.
ويعتبر المفكر "موليفي كيتي أسانتي" الأب الروحي للمركزية الأفريقية المعاصرة. وتقوم فلسفته على أن الأفارقة يجب أن يكونوا فاعلين في تاريخهم وليسوا مجرد "مفعول به". كما يرى "الشيخ أنتا ديوب" عالم السنغال في كتابه "الأمم الزنجية والثقافة" أدلة علمية وتاريخية على أن مصر القديمة هي حضارة أفريقية في جذورها، وأن الكثير من العلوم التي نسبت لليونان انتقلت إليها عبر مصر. وتقوم فلسفته على "الاستمرارية الثقافية".
فجوهر فكرة الأفروسينتريزم هو التأكيد على أن التاريخ الإنساني يجب أن يقرأ من منظور أفريقي، مع التركيز على الحضارة المصرية القديمة (كحضارة أفريقية بامتياز) وكجذر أساسي للكثير من علوم ومعارف العالم القديم. وتهدف المركزية الأفريقية إلى استعادة الهوية والثقة بالنفس للشعوب الأفريقية وشتاتها، وتصحيح التشويهات التاريخية التي ربطت أفريقيا بـ"الجمود" أو "التبعية" للغرب.
فالمركزية الأفريقية تهدف إلى تصويب مقولات المركزية الأوروبية على حساب مصر وتاريخها وحضارتها من خلال الادعاء بأن للحضارة المصرية القديمة جذورا أفريقية فقط. وإذا كانت المركزية الأوروبية تتهم بالتحيز، والاستعمار الفكري، وتجاهل الآخر، فإن المركزية الأفريقية تتهم أحيانا بالمبالغة في رد الفعل أو الانغلاق الهوياتي من أجل استعادة الذات التاريخية. وتمضي في هذا الاتجاه من خلال نسب كل عناصر وأركان الحضارة المصرية القديمة إلى أفريقيا السوداء. فالمصريون في رؤية المركزية الأفريقية هم عرب دخلاء على الحضارة المصرية القديمة.
ويبدو أن أنصار المركزية الأوروبية في دول الغرب الأوروبي يحاولون دفع اتهامات الهيمنة الفكرية والثقافية على أفريقيا جنوب الصحراء عنهم وتحويلها نحو العرب وبصفة خاصة مصر. فوفقا لتوجهات المركزية الأفريقية يعتبر العرب مع الأوروبيين سببا في تخلف وقهر واستغلال الشعوب الأفريقية السوداء.
إن ما سبق يدق ناقوس الخطر ويهدد الهوية الحضارية المصرية ويتطلب دفاعا عن تاريخنا وحضارتنا من خلال تمكين الفلاسفة والمؤرخين والمتخصصين المصريين في الحضارة المصرية والشأن الأفريقي من دحض هذه الحجج والغزو الفكري من بعض المؤرخين الأفارقة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان