مدينة تحت الاحتلال
يحاول كتاب «القاهرة الملكية (1922-1952): صفحات ومشاهد من عمران وثقافة المدينة» (دار العين، 2026) بفصوله المختلفة استعراض التحولات في القاهرة عبر فترة بالغة الأهمية في تاريخ مصر.
نطالع في الكتاب الذي أعده وحرّره نزار الصياد وحسن حافظ، أنه بالرغم من اهتمام محمد علي باشا بإنشاء جيش حديث وبناء مصانع سلاح ومستشفيات ومدارس عليا للهندسة والطب، فإن اهتمامه بمرافق القاهرة كان ثانويًا. بدأ محمد علي في إكمال خطة الفرنسيين في توسعة شوارع القاهرة، وإنشاء شوارع جديدة مثل شارع شبرا وشارع الأهرامات. وقد بدأ خطته في عام 1813 بتوسعة الشوارع لكي تتناسب مع أفكاره وقدرته على السيطرة على مفاصل المدينة المكتظة بالبشر، ثم فتح شارع شبرا عام 1816.
بدأ الاهتمام بالجزء الغربي من القاهرة على يد إبراهيم باشا فأزال الكيمان الموجودة بين القصر العالي في منطقة جاردن سيتي الحالية، والقاهرة القديمة والمعروفة بتل العقارب، وأزال التلال الواقعة بين الناصرية والقصر العالي وغرسها بالأشجار في عشرينيات القرن التاسع عشر، كما أسس محمد علي سراي الأزبكية بمدخل شارع بولاق (شارع فؤاد ثم 26 يوليو الآن)، وسراي شبرا في إطار حركة تعمير بعيدًا عن قلب القاهرة المزدحم. وتُعد أول ضربة حقيقية تُوجَّه إلى فلسفة القاهرة القديمة كانت بقرار محمد علي فتح شارع السكة الجديدة (جوهر القائد) في عام 1846، والذي افتتح عام 1849، فالشارع بعرض ثمانية أمتار أصبح يقطع القاهرة بصورة عرضية للمرة الأولى بشكل جزئي، رغم أن المدينة لم تعرف طوال تاريخها إلا شارعًا طوليًا أساسيًا ممثلًا في شارع القصبة العظمى، كما بدأ في وضع لافتات صغيرة تتضمن أسماء الشوارع وأرقام البيوت عام 1847، كالأسلوب المتبع أوروبيًا، وهو ما تجلى في بناء منشآت أوروبية الهوى لتبدأ عملية التغريب في المدينة، ويحصل الانفصال الذهني بين محمد علي ونخبته وبين المدينة القديمة.
لم تمر القاهرة بتغيرات واسعة في فترتي حكم عباس حلمي الأول وسعيد باشا، إلا أن هناك بعض القرارات التي تركت علامتها على تطور المدينة، فعباس أسس منطقة العباسية بداية من عام 1849، والتي لم تكن إلا صحراء حتى تاريخه، أما سعيد فيُنسب إليه إدخال السكك الحديدية إلى مصر، على الرغم من انطلاق المشروع في عهد سلفه، وبالتالي بناء أول محطة السكك الحديدية عام 1855، بجوار باب الحديد (ميدان نهضة مصر ثم رمسيس فيما بعد)؛ ما خلق نقطة محورية في المدينة منذ تلك اللحظة.
عندما تولى إسماعيل باشا حكم البلاد أراد أن يجعل من القاهرة قطعة من أوروبا، كما أراد أن يتخلص من البِرك التي تفصل القاهرة عن النيل وتسببت في انتشار الأمراض والأوبئة كالملاريا، فأمر بتعديل الشوارع وتوسيعها في المدن عمومًا ليدخل الهواء والشمس لجلب الصحة، وكان نصيب القاهرة هو الأكبر في هذا الصدد. كانت هذه الرؤية موجودة في أذهان السلطة وممثليها بالفعل منذ وقت مبكر، لكن بعد زيارة إسماعيل لباريس في 1867، ومشاهدة التخطيط الجديد للمدينة، الذي وضعه المهندس هاوسمان، قرر الخديو تكرار هذه التجربة في مدينته في إطار تحديثها الشامل.
أوكل الخديو إسماعيل مهمة تحديث القاهرة إلى صديقه ورفيقه في البعثة إلى فرنسا، علي باشا مبارك، وهو ما بدأ فيه فعليًا وبدأت تظهر هذه الأعمال عام 1869، عبر تنظيم منطقة غرب القاهرة الممتدة من بركة الأزبكية إلى شاطئ النيل وسماها الإسماعيلية. عطلت الأزمة المالية خطط إسماعيل لشق المزيد من الطرق المتسعة، واقتصر التدخل في المدينة القديمة على فتح شارع محمد علي عام 1873 بطول 2500 متر، فأزيلت مقابر الأزبكية وجامع أزبك الأتابكي لإتمام المشروع، وفتح مشروع بيت القاضي في عهد إسماعيل عام 1874، فراحت المدرسة الظاهرية بيبرس التي بنيت عام 1263م إلى العدم بسبب القرار.
انتهت خطة إسماعيل إلى تعمير الجزء غير المعمور من القاهرة والذي يشكل المساحة من الأزبكية حتى النيل غربًا، والذي كان عبارة عن بِرك وتلال متخربة، لكنه لم يمد يد التطوير إلى الأحياء القديمة المكتظة بالسكان في القاهرة القديمة، والتي ظلت على حالها من التأخر وتردي الأحوال وانهيار البنية التحتية؛ لذا تركزت أعمال التطوير على تقسيم الأراضي وأعمال البنية التحتية في حي الإسماعيلية، مع بناء مجموعة من القصور والمتنزهات لاستقبال ضيوف افتتاح قناة السويس، لكن معظم المخططات ظلت حبرًا على ورق. وبسبب هذا التطوير غير المتكافئ ظهر مصطلح «القاهرتين»، للتعبير عن مسار حضري مختلف بين الأحياء التي عُرفت باسم «الخديوية» وهي الأكثر تحديثًا، والتي تقع غرب الأزبكية، والأحياء التقليدية القديمة التي لم تمسها يد التطوير وعُرفت باسم الأحياء الوطنية والتي تقع شرق الأزبكية.
وينبه الكتاب إلى أن مصطلح «القاهرة الخديوية» يحتاج إلى إعادة ضبط ليشمل فترتي حكم الخديو توفيق والخديو عباس حلمي الثاني، عندما نُفذت بعض المشروعات العمرانية المنسوبة خطأ إلى فترة حكم الخديو إسماعيل.
فقد شكل الاحتلال البريطاني ووجود الأجانب بكثافة وظهور وسائل النقل الحديثة ثورة مهمة في الإنشاءات داخل المدينة، فالشركات الأجنبية زهرت لتطوير الكثير من الأحياء الجديدة في تلك الفترة مثل المعادي وهليوبوليس والزمالك، في حين نجحت شركات أجنبية أخرى في الحصول على امتياز تسيير الترام داخل أحياء القاهرة، ودخلت السيارة (الأوتوموبيل بمسمى ذلك العصر) الحياة القاهرية مع بداية القرن العشرين؛ الأمر الذي استدعى تعديلًا في شوارع الأحياء الجديدة، كما ساعدت وسائل المواصلات الحديثة في نمو الضواحي، في وقت تواصل نمو عدد سكان المدينة بسرعة. ويرى أندريه ريمون أن أعمال البناء في القاهرة شهدت ازدهارًا كبيرًا في الفترة بين 1897 و1907، مع الطفرة المالية التي وفرها ارتفاع أسعار القطن وضخ الأجانب الأموال في مجال التشييد والبناء.
وشهدت المدينة القديمة اهتمامًا كبيرًا في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، وازدهرت في عهده أعمال لجنة حفظ الآثار العربية؛ إذ دأبت اللجنة على تسجيل وحماية الآثار الإسلامية والقبطية، ثم ترميم وصيانة القسم الأكبر منها.
قادت الروح التي بثتها لجنة حفظ الآثار العربية إلى الاهتمام بالطراز المملوكي الجديد أو المحدث في بناء الكثير من المنشآت التي بنيت في القاهرة خلال فترة حكم عباس حلمي الثاني، نذكر منها مبنى محطة السكك الحديدية (محطة مصر) الذي أعيد بناؤه بعد حريق أتى على المبنى القديم عام 1882، وافتتح المبنى الجديد عام 1893، ومبنى وزارة الأوقاف عام 1899، ومبنى الكتبخانة الخديوية ودار الآثار الإسلامية عام 1904، كما بنى الخديو نفسه ضريح والده الخديو توفيق (قبة أفندينا) على الطراز نفسه عام 1894، كذلك أمر بإنهاء أعمال بناء جامع الرفاعي الضخم الذي بدأت أعمال البناء فيه عام 1896، ثم توقفت، إلا أن عباس حلمي الثاني أمر باستكمال البناء وافتتح الجامع للصلاة في عام 1911.
أحدث الاحتلال البريطاني لمصر تأثيرًا عميقًا على التطور الحضري للقاهرة، حيث أدخل أنماطًا معمارية ومؤسسات ومفاهيم جديدة للتخطيط العمراني. تجلى وجود المسؤولين والعسكريين والمدنيين البريطانيين في القاهرة في تطوير أحياء مصممة لتعكس الأذواق البريطانية، وتوفر شعورًا بالوطن في أرض أجنبية.
سرعان ما تحول حي الإسماعيلية، الذي عرف بعد ذلك باسم «وسط البلد»، إلى شوارع واسعة ومبانٍ تذكر بالعمارة الباريسية، وهي رؤية بدأها الخديو إسماعيل، واستمرت خلال الاحتلال البريطاني. شهدت هذه الفترة ظهور ضواحٍ جديدة، أهمها المعادي والزمالك وهليوبوليس. أسست شركة دلتا للأراضي والاستثمار المصرية المعادي عام 1904، وتأسست هليوبوليس على يد الصناعي البلجيكي إدوارد إمبان، في حين تطورت الزمالك إلى منطقة سكنية راقية خلال الاحتلال البريطاني، وضم الحي مقر إقامة القائد البريطاني للجيش المصري، والذي تحول لاحقًا إلى نادٍ بريطاني.
مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، احتلت بريطانيا واجهة القاهرة على النيل وخلقت لنفسها ما يمكن وصفه بالقاهرة البريطانية؛ إذ استقطعت مساحة وجعلتها مستعمرة صغيرة مغلقة على قادة الاحتلال وجنوده، بداية من مقر المندوب السامي في قصر الدوبارة (السفارة البريطانية فيما بعد)، وبجواره فندق سميراميس، وبجواره شمالًا يقع قشلاق قصر النيل أو ثكنات قصر النيل، في حين كان يقع على الضفة الأخرى من نهر النيل نادي الجزيرة المصرية الذي ضم أفراد القوات الإنجليزية وعائلاتهم، إلى جانب صفوة الأرستقراطية المصرية، وانتشرت الجالية البريطانية في أحياء جاردن سيتي والزمالك القريبة من مقر المندوب السامي، في الوقت الذي كان نادي الترف في شارع عدلي مقتصرًا على صفوة البريطانيين دون غيرهم طوال الفترة الملكية.
في المجمل، كان المشهد العمراني للقاهرة عشية ثورة 1919 نسيجًا من تأثيرات متنوعة، لكن هذا لم يمنع التناقض بين مكوناتها، فالأحياء الحديثة على النمط الأجنبي بشوارعها الواسعة ومبانيها ذات الطراز الأوروبي، تتباين بشكل صارخ مع الأزقة الضيقة للقاهرة القديمة، ذات الهوية الإسلامية. صممت واجهات مباني الأحياء الراقية مثل جاردن سيتي والزمالك لتشبه مثيلاتها في المدن الأوروبية الكبرى، كرمز للقوة والحداثة الاستعمارية، في حين ظلت مباني حارات القاهرة القديمة متهالكة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع