إعلان

محمود المليجي.. تلميذ «عزيزة الفحلة»!

د.ياسر ثابت

محمود المليجي.. تلميذ «عزيزة الفحلة»!

د. ياسر ثابت
07:00 م الخميس 22 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

الثابت أن حوادث عاصفة واجهت عملاق التمثيل محمود المليجي، ودفعته في سنوات لاحقة إلى أن يؤجل كتابة مذكراته الشخصية، التي قرَّر أن يسطرها بقلمه، وكتب بالفعل أجزاءً كثيرة منها بخط يده مثلما صرَّح هو بنفسه في العدد 1519 من مجلة «الكواكب»، حين أكد أنه انتهى من تلك الأجزاء قبل أن يعلن ثانية ما عرضته عليه دار نشر كبيرة في إحدى البلاد العربية، والتي قررت شراء مذكراته بمبلغ كبير.

المليجي أكد أيضًا في التقرير نفسه الذي نُشِر في التاسع من سبتمبر عام 1980 أنه رفض هذا العرض مفضلًا الانتظار مدة لأسباب خاصة به، ولم نعلم شيئًا بشأن تلك المذكرات فيما بعد.

ظل الأمر على هذا الحال حتى عاش الكاتب الصحفي رشدي الدقن عامين من البحث والتنقيب ليكتب السيرة الذاتية للمليجي. وحين انتهى من كتابه «محمود المليجي: إمبراطور الشر الطيب صاحب الألف وجه» (دار غايا، 2025) وجد نفسه أمام مقالين بقلم هذا الممثل يلخصان مشوار حياته، هما بعنوان «الرب في التدبير» و«تعلَّمتُ الشجاعة من القط».

في المقال الذي نشرته مجلة «الكواكب» بعنوان «الرب في التدبير»، تحدَّث الفنان محمود المليجي عن حياته قائلًا:

«في حياتي حوادث كثيرة غريبة، كل واحدة منها تصلح أن تكون موضوعًا لقصة، وقد علّمتني هذه الحوادث أن هناك يدًا خفية تُسيّر أمورنا، وتدبّر حياتنا على نحو قد لا نتوقعه، ولكنه في النهاية يكون خيرًا لنا.

أذكر أنني في بداياتي الفنية كنت أعاني كثيرًا من قلة العمل، وكنت أعيش في ضيق شديد، ولا أجد أمامي إلا باب اليأس.. وفي إحدى المرات لم يكن معي من النقود ما يكفي لأقضي حاجاتي الضرورية، وكنتُ في همٍّ عظيم.

وبينما أنا على هذه الحال جاءني صديق يحمل لي خبرًا عن فيلم جديد يحتاجون فيه إلى ممثل للدور الذي كنتُ أتمناه.. فذهبت وقابلتُ المخرج، وتم اختياري في الحال، وكان هذا الدور سببًا في أن يعرفني الجمهور، ويفتح أمامي أبواب العمل والرزق.

ولقد تكرر مثل هذا الموقف مرات عديدة في حياتي.. كنتُ أجد نفسي في مأزق لا أستطيع الخلاص منه.. ثم فجأة أجد الحل يأتي من حيث لا أحتسب، وكأن الله تعالى يريد أن يختبر صبري ثم يمد لي يده في الوقت المناسب.

وقد تعلمتُ من ذلك أن الإنسان لا ينبغي أن ييأس مهما اشتدت به المحن فإن وراء كل ضيق فرجًا، ووراء كل مشكلة مخرجًا، وأن علينا أن نحسن الظن بالله، ونجتهد بقدر استطاعتنا، ونترك النتائج على الله.

ولقد أصبحت أؤمن إيمانًا عميقًا بأن ما يُكتب لنا سنناله، وما لم يُكتب فلن نحصل عليه مهما بذلنا من جهد.. وقد أراحني هذا الإيمان من القلق، وملأ قلبي بالطمأنينة، وجعلني أواجه الحياة راضيًا مطمئنًا.

إنني اليوم، وبعد أن تقدَّمت بي السنون، لا أرى في حياتي حادثًا مهما كان صغيرًا إلا وأشعر أن وراءه حكمة، وأن هناك ربًا يدبر أمري، ويرعى خطاي.. وهذه هي أعظم نعمة أنعم الله بها عليَّ».

يقول المؤلف إن المليجي -المولود في قرية مليج بمحافظة المنوفية في 22 ديسمبر 1910- سجَّل أرقامًا قياسية لعدد مرات ظهوره على الشاشة «750 فيلمًا»، ولا ينافسه في ذلك سوى فريد شوقي.. فقد دخل «الطيب والشرير» في «ماراثون» غلب عليه التشويق والإثارة، ولم يجرب أحدهما أن يرتدي قناع الآخر.

نتابع عبر صفحات الكتاب الحكاية من البداية؛ إذ إن والده الحاج حسين المليجي كان تاجرًا للخيول والعربات التي تجرها الخيول، وكان محبًا للفنون وعاشقًا للموسيقى والغناء، مما جعل ابنه محمود عاشقًا للموسيقى والغناء، حتى أنه تلقّى دروسًا في الموسيقى على يد أحد المطربين المغمورين (ص 20).

ويُبيّن لنا أن المليجي، الذي مارس الملاكمة، أبدى إعجابه في صباه بالفتوة الشهيرة «عزيزة الفحلة»، لتصبح عزيزة الأستاذة الأولى للمليجي والملهمة الأولى لشخصية الشرير التي اشتهر بها. في درب المغربلين عاش محمود المليجي مهد طفولته وصباه، وتفتَّح وعيه على أهم المراحل في تاريخ مصر الحديث، وأصيب بطلق ناري في قدمه أثناء مشاركته في ثورة 1919 وعمره لم يكن قد تجاوز التاسعة، ثم شارك في مظاهرات 1930، وأُلقي القبض عليه ليظهر اسمه لأول مرة في الصحف ضمن المقبوض عليهم (ص 21).

ساقت له الأقدار أن يقابل الفنان عزيز عيد، الذي كان يدرب تلاميذ مدرسة الخديوية الثانوية، لكن عيد نصحه بعدم خوض التجربة لضعف موهبته، لكن المليجي وجد ضالته في مسرح المدرسة الخديوية، حيث تدرب على يد فنانين كبار من أمثال جورج أبيض وفتوح نشاطي وأحمد علام وعزيز عيد، ولفت الأنظار إليه ببراعته في تجسيد أدوار تراوحت بين الكوميديا والتراجيديا، وصار رئيسًا للفرقة (ص 26)، قبل أن يعمل كممثل محترف في فرقة فاطمة رشدي (ص 29).

ويفاجئنا الكاتب بالقول إن المليجي أخفى عمله كممثل محترف لفترة طويلة، وفي ليلة من ليالي عرض مسرحية «667 زيتون»، جاءه فرَّاش المسرح وقال له إن شخصين يسألان عنه. دخل الرجلان فإذا بهما والد المليجي وعمه، وقال له والده إنهما اشتريا تذكرتين لمشاهدته وهو يمثل (ص 29-30).

بعد سنوات التيه والصبر، عمل في وظيفة ملقن في فرقة يوسف وهبي مقابل راتب تسعة جنيهات شهريًا (ص 38)، ليستعيد رائحة الكواليس، قبل أن يستعين به يوسف وهبي بعض الأدوار الصغيرة من باب التوفير لا الاقتناع، حتى برزت موهبته وتراكمت خبراته في الأداء التراجيدي، حتى إن وهبي قال بعد أعوام: «محمود المليجي هو الممثل الوحيد الذي أستطيع أن أقول إنه أفضل من يوسف وهبي» (ص 42).

على الرغم من نجاحه في الأداء التمثيلي، فإنه جرَّب الكتابة للسينما منذ عام 1946 حينما كتب حوار فيلم «الملاك الأبيض» الذي أخرجه زهير عمارة، كما كتب فيلم «المغامر» الذي أخرجه حسن رضا، وشارك في كتابة القصة والحوار لفيلم «الأم القاتلة» الذي أخرجه أحمد كامل مرسي، وكذا فيلم «وعد» في عام 1954 من إخراج أحمد بدرخان، وفيلم «أبو زعبل» في عام 1957 من إخراج نيازي مصطفى، و«المبروك» في عام 1959 من إخراج حسن رضا (ص 123-129).

في المقابل، فشل المليجي في تجربة الإنتاج السينمائي التي بدأها في عام 1947، وظل يعمل ليل نهار كي يسدد ديونه بعد فيلمي «آلو أنا القطة» و«مدينة الصمت»، وطالبته مؤسسة السينما بتسديد ستة آلاف جنيه ديونًا لكنه عجز عن السداد، كما حكمت عليه الضرائب بمبلغ 22 ألف جنيه، مما اضطره إلى بيع كل ما يملك والاستدانة من الزملاء حتى يسدد ويتفادى مصير السجن (ص 130).

يحكي المؤلف عن صداقة المليجي للسياسي والمحامي الشهير فيما بعد أحمد حسين ودوره الواضح في مشروع القرش، وهو مشروع قومي التف حوله الشعب المصري، وذلك بعد أزمة اقتصادية عنيفة عام 1929.

ويتناول صداقة المليجي للرئيس السابق محمد أنور السادات بعد أزمة فيلمه «الله معنا» الذي ظل الفيلم حبيس أدراج الرقابة لمدة ثلاثة أعوام، وانتهت الأزمة بحذف شخصية محمد نجيب، أول رئيس مصري بعد حكم أسرة محمد علي، بعد أن شاهدته لجنة أشرف عليها الرئيس السادات، والذي اختار المليجي فيما بعد ليكون أول فنان عضوًا بمجلس الشورى.

وفي يوم 14 مارس 1955، حضر الرئيس جمال عبد الناصر ومعه الرئيس السادات وعبد الحكيم عامر الافتتاح في سينما ريفولي بالقاهرة، ليقطع حبل الشائعات التي دارت حول منع «الله معنا»، وبعد انتهاء العرض أثنى على الفيلم، وصافح أبطاله ومن بينهم محمود المليجي، وطلب إليهم أن يُقدِّموا مزيدًا من هذه الأفلام الوطنية.

يحكي المؤلف عن الصداقة الممتدة بين المليجي ورشدي الدقن، ويقول إنها بدأت عندما واجهه لأول مرة في فيلم «أموال اليتامى» عام 1952.. وبفضل تشجيع المليجي للدقن، كان هذا اللقاء بداية صداقة وزمالة وأُخوة حقيقية بين الاثنين، وظل الأخير ملازمًا لـ«الشرير الطيب» في كل أعماله، لا سيما أفلام «الأكشن»، ليصبح الضلع الثالث في مثلث «الشر» مع فريد شوقي «ملك الترسو» وغريمه «شرير الشاشة» (ص 12).

إعلان

إعلان