إعلان

التنوع ثراء لا تهديد: قراءة في ظاهرة التمييز المجتمعي

د. رودينا خيري

التنوع ثراء لا تهديد: قراءة في ظاهرة التمييز المجتمعي

د. رودينا خيري

مدرس المناهج وطرق تدريس اللغة العربية بكلية التربية جامعة الزقازيق

04:50 م الثلاثاء 20 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

نحب أن نصف مجتمعنا دائماً بأنه مجتمع التسامح، وملتقى الحضارات، ومجتمع التعايش الذي يفتح ذراعيه للجميع، وهذه الصورة – في جوهرها – صحيحة إلى حد بعيد؛ فالمجتمع المصري عبر تاريخه الطويل عرف التنوع وقبله، وعاش فيه المسلم إلى جوار المسيحي، والغني إلى جوار الفقير، وابن الريف إلى جوار ابن المدينة، لكن خلف هذه الصورة المشرقة تختبئ حقيقة لا نحب مواجهتها: فالعنصرية لا تزال موجودة بيننا، وإن لبست أثواباً مختلفة وأقنعة متعددة.

نخطئ كثيراً عندما نظن أن العنصرية تعني فقط كراهية لون أو عرق، كما نراها في بعض المجتمعات الغربية؛ فالعنصرية في معناها الأوسع هي كل سلوك يقوم على التمييز بين البشر على أساس لا علاقة له بالكفاءة أو الإنسانية: تمييز بسبب اللون، أو الطبقة الاجتماعية، أو اللهجة، أو النوع الاجتماعي، أو الدين، أو حتى الشكل والمظهر، ومن هذا المنظور، فإن العنصرية ليست غريبة عن مجتمعنا كما نحب أن نتصور، بل هي أحياناً جزء غير معلن من تفاصيل حياتنا اليومية.

إذا دخلنا إلى المدارس – تلك التي يُفترض أن تكون مصانع القيم – سنجد أشكالاً خفية من التمييز تُمارس دون قصد أحياناً، وبقصد أحياناً أخرى؛ فعلى سبيل المثال: هناك طفل يُسخر منه بسبب لون بشرته الداكن، وآخر يُستبعد من الأنشطة لأنه "ابن منطقة شعبية"، وثالث يُوصم بصفات جاهزة لأنه مختلف في مظهره أو لهجته؛ كلمات عابرة يرددها الطلاب على سبيل المزاح تتحول مع الوقت إلى جروح نفسية عميقة، وإلى إحساس مبكر بأن المجتمع يصنف أبناءه درجات لا بشراً متساوين.

المدرسة التي يجب أن تُعلم المساواة قد تتحول – من حيث لا تدري – إلى بيئة لإعادة إنتاج الأحكام المسبقة، فالمعلم الذي يفضل طالباً على آخر بسبب مستواه المادي، أو الذي يسخر من لهجة أحد تلاميذه، يرسل رسالة خطيرة مفادها أن القيمة الإنسانية ليست واحدة، وهكذا يتعلم الصغار مبكراً أن الاختلاف سبب للسخرية لا للتكامل، وأن القوة قد تكون مبرراً لاحتقار الأضعف.

لكن العنصرية في مجتمعنا لا تقف عند حدود الفصل الدراسي؛ إنها تمتد إلى الشارع، وإلى أماكن العمل، وإلى البيوت نفسها، فما زلنا نسمع عبارات جارحة عن أهل الصعيد أو عن سكان بعض المناطق، وكأن الجغرافيا تحدد قيمة الإنسان، وما زالت بعض الأسر ترفض تزويج بناتها أو أبنائها ممن يختلفون عنها في المستوى الاجتماعي أو لون البشرة، حتى لو توافرت الأخلاق والكفاءة، وما زال كثيرون يُقيمون الناس من أسمائهم ولهجاتهم قبل أن يُقيموهم من عقولهم وأعمالهم.

ومن أخطر صور العنصرية: التمييز القائم على النوع الاجتماعي، أي العنصرية ضد المرأة، فكم من فتاة عربية حُرمت من فرصة عمل لأنها "امرأة"؟ وكم من كفاءة أُهملت لأن أصحاب القرار ما زالوا يؤمنون – في أعماقهم – أن القيادة خُلقت للرجال وحدهم؟ العنصرية هنا لا تُمارس بصوت مرتفع، بل بقرارات صامتة: ترقية تُمنح لرجل لا لامرأة، وثقة تُعطى لذكر لا لأنثى، وفرص تُفتح لجنس وتُغلق أمام آخر.

وفي المقابل، توجد أيضاً أشكال من التمييز ضد الرجل نفسه في بعض السياقات الاجتماعية، حين يُحمل وحده أعباء اقتصادية قاسية باعتباره "المسؤول الوحيد عن الإعالة"، أو حين يُسخر من مشاعره إذا أظهر ضعفاً أو حزناً؛ فالعنصرية ليست دائماً ضد فئة واحدة؛ إنها منظومة فكرية مشوهة تصيب الجميع بدرجات مختلفة.

ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت المشكلة تعقيداً؛ فالمنصات الرقمية تحولت إلى ساحات مفتوحة للتنمر والسخرية، حيث تُطلق النكات العنصرية بلا حساب، وتُتداول الصور المسيئة بلا ضمير، وأصبح من السهل أن يُختزل إنسان كامل في لون بشرته أو وزنه أو لهجته أو انتمائه الطبقي، وهذه الممارسات الرقمية لا تبقى حبيسة الشاشات، بل تتسرب تدريجياً إلى الواقع وتؤثر في وعي الأجيال الجديدة.

الأخطر من وجود العنصرية هو إنكار وجودها؛ فنحن غالباً ما نتعامل معها باعتبارها "مزاحاً عابراً" أو "أسلوب كلام معتاد"، بينما هي في الحقيقة منظومة أفكار تُغذى يومياً، وحين يعتاد المجتمع التمييز يصبح العدل استثناءً، ويصبح احترام الاختلاف عبئاً لا قيمة له.

لقد أثبتت الدراسات النفسية والتربوية أن التمييز يترك آثاراً عميقة في شخصية الإنسان: فهو يقلل ثقته بنفسه، ويحد من طموحه، ويزرع داخله شعوراً دائماً بأنه أقل من الآخرين، وعندما يشعر الطالب داخل مدرسته أنه مُحتقر أو مُستبعد، فإنه لا يفقد فقط رغبته في التعلم، بل يفقد إيمانه بالمجتمع كله، وهكذا تتحول العنصرية من سلوك فردي إلى مشكلة وطنية تؤثر في التنمية والإنتاج والانتماء.

إن مواجهة العنصرية لا تبدأ بالقوانين وحدها، رغم أهميتها، بل تبدأ بتغيير الثقافة، تبدأ من البيت حين يُعلم الوالدان أبناءهم أن البشر جميعاً متساوون في الكرامة مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم ومستوياتهم، وتبدأ من المدرسة حين يغرس المعلم في طلابه احترام الاختلاف، ويمنع أي شكل من أشكال السخرية أو التنمر، وتبدأ من الإعلام حين يتوقف عن تكريس الصور النمطية، ويقدم نماذج إيجابية تعكس تنوع المجتمع الحقيقي.

نحن بحاجة إلى شجاعة أخلاقية للاعتراف بأن بيننا قدراً من التمييز، وأن القضاء عليه ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة إنسانية؛ فالوطن الذي يسمح بالعنصرية هو وطن يهدر طاقات أبنائه، ويقسمهم إلى معسكرات متنافرة بدل أن يجمعهم على أساس المواطنة المتساوية.

ليست مصر بلداً عنصرياً بطبيعته، لكن ترك بعض الممارسات دون مقاومة قد يجعلها كذلك مع الوقت، فقوتنا الحقيقية كانت دائماً في قدرتنا على احتواء الاختلاف وتحويله إلى مصدر ثراء لا صراع، وحين نتخلى عن هذه القيمة فإننا نخون أجمل ما في هويتنا.

إن المعركة ضد العنصرية ليست معركة فئة بعينها، بل هي معركة كل إنسان يؤمن بالعدل والكرامة، إنها معركة من أجل أن يشعر كل طفل في مدرسته أنه مقبول كما هو، وأن تعلم كل فتاة أن أحلامها لا يحدها كونها امرأة، وأن يدرك كل شاب أن قيمته فيما يقدم لا في اسمه أو طبقته أو لونه.

ربما لا نستطيع أن نغير العالم دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نغير لغتنا اليومية، وطريقة تفكيرنا، وأسلوب تربيتنا لأبنائنا، ونستطيع أن نرفض النكتة الجارحة، وأن نواجه التعليق العنصري، وأن نعلم أبناءنا أن الاختلاف ليس عيباً بل نعمة؛ فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد سكانها، بل بقدرتها على احترام الإنسان داخلها، والإنسان، في النهاية، هو القيمة الكبرى التي لا يجوز أن تخضع لأي شكل من أشكال العنصرية.

إعلان

إعلان