إعلان

جحيم الاغتراب عن الذات

د. أحمد عبد العال عمر

جحيم الاغتراب عن الذات

د. أحمد عبدالعال عمر
06:53 م الأحد 02 أبريل 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

من المقولات التي أحبها للسيد المسيح عليه السلام قوله: "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟".

لأنها مقولة تصلح كدستور للحياة الخاصة والعامة، ومقولة تفتح باب نقد الذات وتقييم حصاد الرحلة، وتمنح الإنسان إمكانية تصحيح أخطائه، وتمنحه تذكرة عودة إلى ذاته، إلى أرضه الأولى، وطنه الأول، حلمه الأول، إلى الطفل والصبي والشاب و الإنسان الذي كان عليه يومًا ما قبل أن تُغيره وتُشوهه الحياة والتجارب، وتجعل منه شخصًا آخر.

مع ضرورة أن نضع في اعتبارنا أن تلك الوقفة مع الذات لتقييم جدوى وحصاد الرحلة والتجربة، ليست زهدًا تامًا في الحياة وخروجًا عن طريق النجاح وحلبة المنافسة حول كل ما يظن الإنسان أنه جدير به.

وليست كذلك نكوصًا مرضيًا لمرحلة سابقة في حياة الإنسان، بل هي هدنة محارب، ومحاولة إيجابية لتجميع شتات النفس، ومعرفة الذات، ومعرفة الطريق والهدف الجدير بالبحث عنه، دون أن يخسر الإنسان ذاته ومعنى حياته.

كما أنها محاولة ضرورية لاستعادة لحظات فرح الإنسان الأولى، وبساطة وشغف الحياة والرحلة، وفتوة وجمال البدايات؛ لأن في الاستسلام للواقعية المفرطة ولقبح وظلم الأمر الواقع، شيخوخة وموت الروح قبل شيخوخة وموت الجسد.

إن الاغتراب عن الذات، هو الجحيم الأرضي الذي يعيش فيه الكثير من البشر، دون أن يشعروا أو يعترفوا به.

بل ربما يخدعون أنفسهم، ويتعاملون مع حالة الاغتراب وفقدان المعنى بوصفها صورة من صور الواقعية والنضج النفسي والعقلي.

لكنهم هؤلاء عند قرب نهاية رحلة حياتهم سوف يقفون حتمًا أمام أنفسهم في المرآة، ويتساءلون:
من هذا الشخص الذي نراه أمامنا؟
وكيف صار كذلك؟
ومع قيمة كل المكتسبات المادية التي حصلنا عليها وخسرنا في مقابلها أنفسنا؟

والمُؤلم أن يطرح الإنسان على نفسه هذا السؤال بعد أن يكون قد فقد إمكانية تصحيح مساره، وفقد تذكرة العودة إلى ذاته والإنسان الذي كان عليه؛ لأنه عند تلك اللحظة قد يدفعه عدم احساسه بالرضا إلى الانتحار ووضع نهاية لحياته بدون مقدمات، بشكل يجعل المحيطين به في قمة الحيرة وهم يحاولون فهم دوافعه في الإقدام على ذلك الفعل، مع أنه كان يملك كل شيء، وكان يبدو سعيدًا.

وهي النهاية التي تُذكرنا بمصير إحدى بطلات رواية "النسيان" للأديب الكولومبي "إكتور آباد فاسيولينسي"، التي قال عنها:

"بدت وكأنها أسعد امرأة في الدنيا، حتى كان يوم، ودون أن تكف عن الابتسام، فرغت رصاصة في حلقها، ولم يعرف أحد السبب".

محتوي مدفوع

إعلان