الفرصة! (2)

عصام شيحة

الفرصة! (2)

عصام شيحة
08:55 م الأربعاء 25 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لما كانت التجارب الديمقراطية كافة تشير بوضوح إلى أهمية الدور الذي تنهض به الأحزاب في تعميق وترسيخ الممارسة الديمقراطية؛ فقد بات حريًا بالكل البحث فيما تمر به أحزابنا من أزمة حقيقية تكاد تُفقدها جوهرها، وتعيق حركتها الطبيعية، في مشوار بناء الوطن على أسس صحيحة لطالما ارتكزت عليها الدول المتحضرة.

يضاف إلى ذلك ما نحن مقبلون عليه من استحقاقات انتخابية شديدة الأهمية، نوابًا وشيوخًا ومحلياتٍ، من المفترض أن نُعول عليها كثيراً في تنمية القوة السياسية للدولة المصرية، تلك القوة المرتبطة بشكل وثيق بمدى التزام الدولة بالقواعد الديمقراطية التي باتت من أهم بنود المشروطية السياسية التي تستند إليها العلاقات الدولية المعاصرة. وهي قوة (القوة السياسية) لا تقل أهمية أبداً عن القوة العسكرية والقوة الاقتصادية وغيرها من عناصر القوة الشاملة المأخوذ بها في تقدير وحسابات القوة الشاملة للدولة قياسًا إلى غيرها من القوى الإقليمية والدولية.

في المقال السابق تحدثت عن إخفاق الأحزاب المصرية في التعبير عن جوهر ومضمون مفهوم الأحزاب، فلا هي تهتم بأن يكون ممثلوها في البرلمان من أعضائها الحقيقيين، المؤمنين بمبادئها وأهدافها وقيمها، ولا هي (الأحزاب) تستهدف بلوغ السلطة أو حتى المشاركة في عملية إدارة شؤون الدولة؛ وفي ذلك تفريغ حاد لمفهوم الأحزاب من أي معني عرفته النظم السياسية الديمقراطية.

وفي إطار البحث عن فرصة للأحزاب تقيها سوء المُنقلب، وهو أمر يلوح في الأفق بالفعل، اليوم ينعطف بنا الحديث إلى ملمح آخر من الملامح الغائبة عن صورة الأحزاب في مصر؛ وهو ما يتعلق بالممارسة البرلمانية للحزب، وهي في حقيقتها خلاصة جهد الحزب، ومنتهى آماله في التأثير على عملية صناعة القرار، هذا إذا توفر ذلك الأمل والرغبة من الأساس.

وعليه، أقول إن أحزابنا تكاد تخلو من مراكز بحثية حقيقية وجادة يمكن من خلالها التعمق في كافة أمور الشأن العام؛ ومن ثم تكوين رؤى جديدة، وامتلاك منظور مُغاير لما تمتلكه الحكومة، وعليه، فلا سياسات عامة بديلة مطروحة من جانب الأحزاب، ولا تصور يحمل إبداعًا تقدمه الأحزاب يدعم مشروعيتها.

وواقع الأمر إنني لا أعني بذلك وجود غرفة أو قاعة في كل حزب تحمل على مدخلها لافتة مكتوبًا عليها "مركز دراسات..." أو ما شابه. ذلك إن العبرة بالنتائج والممارسة على أرض الواقع، ومن هنا لا نجد غرابة في شيوع حالة انفصال حقيقي بين الأحزاب وممثليها في مجلس النواب؛ إذ لا جهد مشترك، ولا دراسات تُغذي أعضاء البرلمان برؤية الحزب وموقفه؛ ومن ثم فالعمل الفردي يسيطر على المشهد الحزبي البرلماني. إلى حد لم يعد المواطن يدرك معه حقيقة انتماء النائب، وهو اختبار يمكن أن نُجريه ببساطة.

يترتب على ذلك أيضًا ضعف الدور الرقابي للبرلمان؛ إذ هو في مجمله مُحصلة لرؤى مختلفة، وسياسات بديلة تبحث لها عن محل مشروع في سياق إدارة شؤون الدولة، وهو أمر مفقود تمامًا كما أشرنا من قبل، وهو أمر غير مقبول أبدًا تبريره بضخامة أعباء الدور التشريعي للبرلمان؛ إذ لا يمكن للبرلمان إلا أن يسير على قدمين، الرقابة والتشريع، وغير ذلك فعوار مؤكد يشوب أداءه. والواقع أن ضعف الممارسة الحزبية هي السبب الرئيسي في ذلك؛ فلو أن أحزابنا تمتلك رؤى بديلة وسياسات مُغايرة، ورغبة صادقة في بلوغ السلطة، لانعكس ذلك بكل تأكيد على أداء برلماننا، دون أن يؤثر ذلك في قدرته على إنجاز التشريعات المطلوبة. بل إنني أزعم أن ضعف الدور الرقابي للبرلمان، بسبب ضعف الأحزاب، كان له تأثير بالغ السوء في عملية التشريع ذاتها. ولنأخذ في ذلك مثلاً واضحًا وهو التأخر إلى الآن في إنجاز قانون المحليات، وما نتج عنه من غياب المحليات عن دورها الوطني؛ وفي الواقع إن ضعف الأحزاب، وعدم جاهزيتها لانتخابات المحليات لم يكن غيره السبب.

وإلى حديث مُقبل بإذن الله.

إعلان

إعلان