أزمة ثقة

د. جمال عبد الجواد

أزمة ثقة

د. جمال عبد الجواد
12:48 م الإثنين 16 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تنفيذًا للتعليمات الصادرة من خبراء الطب الوقائي ومنظمة الصحة العالمية شرعت في تنفيذ احتياطات صارمة لحماية نفسي والآخرين من فيروس كورونا.

لم أعد أستند بيدي إلى "ترابزين" السلم، صعودًا وهبوطًا، وإن كان في الأمر بعض المشقة.

لم أعد أسمح ليدي بلمس وجهي، وقد ساعدني هذا على التخلص من عادة إدخال الإصبع في فتحة المنخار، خاصة عندما لا يكون هناك أحد من الفضوليين يراقبني.

لم يكن في الأمر صعوبة كبيرة ما دام تعلق الأمر بي وحدي؛ لكنني أعاني بشدة عندما يتعلق الأمر بآخرين. لدينا شغالة تأتي منذ سنوات؛ لتنظيف المنزل مرتين في الأسبوع، وهي سيدة مشهود لها بالنظافة، لكني في الأسبوعين الأخيرين لم أستطع منع نفسي من إعادة تنظيف المنزل بعد كل مرة زارتنا فيها هذه السيدة، فأمسكت بفوطة مبللة بمطهرات شديدة القوة، ومسحت بها كل سطح وكل مقبض باب وحنفية مياه في المنزل.

بدأت أفعل هذا منذ أسبوعين، لكن صعوبة الأمر آخذة في الازدياد منذ ذلك الحين. اعتدت إرسال ملابسي للمكوجي، الذي كان يعيدها لنا معبأة بعناية في أكياس بلاستيك. فيروس كورونا لا يعيش طويلا على الأنسجة، لكن ماذا عن أكياس البلاستيك؟ ألم يمسك المكوجي هذه الأكياس بيده التي لا أعرف إن كان قد غسلها بعد أن عطس واضعا كفه على فمه؟ ألم يحمل مساعده هذه الأكياس بالقرب من صدره ووجهه طوال الطريق من المحل لمنزلنا؟ ألم يتطاير الرذاذ من فمه وهو يتحدث مع آخرين طوال هذه المسافة؟ يا للرعب؛ لقد أصبح على إيجاد حيلة تسمح لي بإخراج الملابس من الكيس دون لمسه.

لقد قاطعت منذ زمن الأفران التي تعرض منتجاتها اللذيذة مكشوفة للتراب والعوادم والذباب. تحولت إلى فرن لا ينتج أفضل المخبوزات، لكنه يعبئها في أكياس نظيفة. في الأيام الأخيرة راحت تلح على ذهني أفكار مفزعة عما حدث لهذه المخبوزات بين خبزها وتعبئتها، وعن الأيدي التي لمستها طوال هذه الرحلة، وعن المكان الذي أتت منه الأكياس، والأيدي التي تناقلتها. لم أصل بعد إلى حد الطلب إلى زوجتي لكي تعد الخبز في المنزل، ولكني فقدت شهيتي المعتادة للمخبوزات.

نادرا ما أزور السوبر ماركت، فعنواني معروف جيدا للعاملين في محلات البقالة الموجودة في الجوار. منذ فترة طويلة وأنا شديد الاعتماد على عمال الديلفري في كل شيء. لا أظنني في حاجة لمواصلة شرح المشكلة التي ظهرت مؤخرًا، فالمؤكد أنك قد خمنتها بنجاح عزيزي القارئ. عدت لشراء احتياجاتي من السوبر ماركت بنفسي، غير أن هذا لم يحل المشكلة؛ فقد وجدت نفسي أغسل بالمطهرات كل علبة جبن أو زبادي، أو عبوة شكولاتة أو حجارة بطارية قبل استعمالها أو وضعها في الثلاجة؛ كما بدأت في غسل أصابع الموز قبل تقشيرها، فتولد لدي شعور غريب أفقد أكل الموز الذي أحبه لذته.

حسب المختصين في علم النفس، فقد أصابني نوع من الفوبيا، التي تقف على حافة البارانويا. الفوبيا هي الخوف المبالغ فيه وغير المبرر؛ فقد يخاف البعض من الارتفاعات، أو الأماكن المغلقة، أو العناكب، أو الجروح والدم. في ظروف الوباء المنتشر، فإن فوبيا الخوف من المرض، والجراثيم والفيروسات والقاذورات تصبح عرضًا شائعًا. قد يكون الخوف من المرض في هذه الظروف هو الطريق الآمن للنجاة، فالشجاعة لا تنفع في مواجهة الفيروسات؛ لكن الوصول بالخوف من المرض إلى درجة الفوبيا تجعل الحياة شيئا مستحيلا.

المصاب بالفوبيا لا يوجه مخاوفه ضد آخرين، فهو يخاف من أشياء أو ظواهر، تحدث تلقائيا أو بالصدفة، ولكنه يبالغ في توقعها والفزع من احتمال حدوثها. لكن هناك نوعًا آخر من الخوف يوجه فيه الفرد مخاوفه ضد آخرين يعتبرهم مسئولين عن مشاكله ومتآمرين عليه. ربما أصل إلى هذا قريبًا عندما أبدأ في العراك مع الشغالة والمكوجي وموظف السوبر ماركت.

هذا هو ما يحدث للمجتمعات عندما تنعدم الثقة، وعندما يصبح كل فرد مسئولاً عن التأكد من سلامته بنفسه. في حياتنا العادية نضع ثقتنا في كثير من الناس، فنحن نأكل في المطاعم، ونتداول النقود الملوثة بالجراثيم مع كل أصناف البشر، ونسلم للآخرين المسؤولية عن نظافة ملابسنا وبيوتنا، ولو انعدمت ثقتنا في الآخرين لأصبح علينا أن نزرع طعامنا، ونطهوه، ونصنع ملابسنا، وننظفها، كل هذا بأنفسنا؛ ليكون ذلك إعلانًا بنهاية المجتمع، وانتهاء الحضارة البشرية. فلنستعيد الثقة في بعضنا، ولنحمد الله على ما غرسه فينا من استعداد للاعتماد على الآخرين، فبغير ذلك تتحول الحياة إلى جحيم. هذا ما اختبرته بنفسي في الأسبوعين الأخيرين.

إعلان

إعلان