ثقافة الانقسام وهدم الثوابت الوطنية والديمقراطية

طارق أبو العينين

ثقافة الانقسام وهدم الثوابت الوطنية والديمقراطية

طارق أبو العينين
05:20 م الأحد 19 يناير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"هذا زمن الحق الضائع، لا يعرف فيه مقتول من قتله، ومتى قتله.. ورؤوس الناس على جثث الحيوانات.. ورؤوس الحيوانات على جثث الناس.. فتحسس رأسك.. فتحسس رأسك".

بهذه الكلمات الرائعة المعبرة، اختتم الشاعر الكبير الراحل صلاح عبد الصبور قصيدته الظل والصليب، وهى تعبر- في اعتقادي- عن حجم الارتباك في التقديرات والمواقف السياسية التي ضربت الخطاب التحليلي العربي طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية الملتهبة على الجبهتين الليبية والإيرانية، بعد إعلان أردوغان نيته احتلال ليبيا، واغتيال قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني.

ففيما يتعلق باغتيال سليماني، انقسم الرأي العام العربي ما بين تيار عربي ليبرالي معارض داخل سوريا وخارجها، شمت في موت الرجل الذي شكل بالنسبة لهذا التيار علامة على هيمنة ونفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان، وهو نفوذ أسهم في إجهاض الثورة السورية ونفي وتشريد ملايين السوريين، وبين موقف حركات المقاومة في فلسطين كحركة حماس الإخوانية التي نعت الرجل على لسان رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية ووصفته بشهيد القدس.

أما فيما يتعلق بالموقف من أزمة العدوان التركي على ليبيا، فإنه لا يقل التباساً عن الموقف من اغتيال سليماني؛ فقد جرى توظيف الصراع الداخلي الدائر في ليبيا، منذ سقوط القذافي لتبرير وتمرير الأطماع التركية في هذا البلد العربي الشقيق، فيكفي أن يكون هناك برلمانان ليكون رفض أحدهما هذا العدوان مسوغاً غير كافٍ لردعه طالماً أن حكومة السراج التي أبرمت الاتفاق الأمني مع تركيا معترف بها دولياً، وذلك حسب ما تروج المنابر والأبواق الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين.

ولعل الأمر اللافت في كلا المشهدين هو هذا التناقض الفج في موقف جماعة الإخوان، سواء فيما يتعلق بالديمقراطية أو فيما يتعلق بالثوابت الوطنية، فمن الغريب أن تصطف الجماعة مع إيران التي أسهمت، عبر أذرعها العسكرية في إجهاض الثورة السورية وإبقاء بشار الأسد في الحكم حتى الآن، بعد أن كانت الجماعة أول المنتقدين لجرائم بشار الأسد ضد الثورة السورية الديمقراطية.

فمن ينسى مؤتمر نصرة سوريا الذى عقدة الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي، قبل انهيار حكمه وجمع فيه كل فصائل التيار الإسلامي للتنديد بجرائم بشار الأسد والدعوة إلى نصرة ثوار سوريا الديمقراطيين في مواجهة نظام حكم الأسد؟!

كما أنه من الغريب أيضاً الاستهانة بكل الثوابت الوطنية من أجل تبرير مشروع الاحتلال التركي لليبيا، طالما أن هذا المشروع يخدم مصالح الحلف التركي القطري الإيراني برغم أن جماعة الإخوان ظلت لعقود طويلة تقدم نفسها للجماهير بوصفها جماعة مقاومة لكل أشكال الاحتلال ومشاريع الهيمنة الغربية ضد أمتنا العربية دفاعاً عن الهوية الإسلامية في مواجهة المخطط الإمبريالي الغربي الذي يستهدفها.

وهو ما يعنى في النهاية أن هناك استثمارا سياسيا من قبل المحور التركي الإيراني القطري وحلفائه الإخوان لحالة الانقسام السياسي والمجتمعي وحقبة الحروب الأهلية التي تمر بها أغلب المجتمعات العربية، بعد فشل ثورات الربيع العربي في بلوغ أهدافها.

لكن الكارثة الكبرى تكمن في أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون أبداً ثمرة لحالة الانقسام والتناحر الداخلي، ولا الإمبريالية قابلة هي الأخرى لإعادة تعريفها أو تبريرها انطلاقاً من تدثر من يرفع راياتها بعباءة الإسلام، كما يفعل أردوغان، ومن ثم فإن تحقيق هذا المحور التركي الإيراني القطري لأهدافه سيكون على جثة التماسك الاجتماعي والثوابت الوطنية وحلم الدولة المدنية الديمقراطية لليبيا وسوريا وغيرهما من دول ومجتمعات عالمنا العربي.

إعلان

إعلان