امشوا في شوارعها

د. جمال عبد الجواد

امشوا في شوارعها

د. جمال عبد الجواد
09:01 م الجمعة 17 يناير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هذه دعوة لأهل القاهرة؛ ليخرجوا إلى شوارع مدينتهم؛ ليمشوا فيها، فاتحين أعينهم جيدًا. القاهرة تتغير بسرعة، فسارعوا لإلقاء نظرة قد تكون الأخيرة على شارع أو مقهى أو دكان، وكونوا أول من يرى الجديد الذي يظهر كل يوم. القاهرة تتغير بسرعة، أكيد للأفضل، لكن حتى عندما يكون التغيير للأفضل فإن هناك أشياء تذهب إلى الأبد، ولا تعود ثانية، بما فيها الأشياء التي كرهناها، وقاومناها، وشكونا من وجودها، وفعلنا ذلك مئات المرات، حتى أصبحت جزءًا منا، لنا فيها ومعها وضدها ذكريات، كبرنا عليها، وأصبحت جزءًا منا، حتى أتت لحظة قد تختفي فيها هذه الأشياء إلى الأبد، فالعاصمة تتغير بسرعة.

لم يعد هناك تل العقارب والطيبي والحبيبي ومثلث ماسبيرو، ومناطق كثيرة أخرى. لم تعد هناك مدابغ الجلود والبيوت الصغيرة المهدمة المحيطة بها؛ ولم تعد رائحة بقايا الجلد المتعفن تفوح من وراء سور مجرى العيون. بدلاً من كل هذه الأشياء التي تم هدمها هناك بيوت جديدة تظهر، وشوارع جديدة عريضة يجري شقها، وكبارٍ عالية يتم تشييدها. فلنخرج إلى شوارع القاهرة نلقي نظرة أخيرة على القديم الذي يختفي بسرعة، ونلاحق الجديد الذي يظهر كل يوم بدلا منه. حتى لو كانت بعض التغييرات في المدينة لا تعجبك، وحتى لو كانت كباري مصر الجديدة تزعجك، فاكتب رأيك على صفحتك، وبعدها اخرج لتملي نظرك في القديم قبل أن يختفي تماما، ولتلاحظ الجديد البازغ، فربما غيرت رأيك فيه، أو قد تزدريه أكثر.

التغيير في المدينة سريع، حتى أنني، أنا الذي ولدت وعشت عقودي الستة في القاهرة، أخشى ألا أعرف شوارع المدينة بعد قليل. لهذا أدعوكم لقضاء وقت أطول في الشوارع مشيا ومشاهدة ومراجعة للصور القديمة والذكريات، وجلوسًا على المقاهي، وزيارة الأحياء التي عشتم فيها، والأحياء الأخرى التي ذهبتم إلى مدارسها، والمكان الذي حصلتم فيه على أول وظيفة.

للقاهرة تاريخها، ولكل منا نسخته الخاصة من تاريخ القاهرة. تاريخ القاهرة يبدأ بالفسطاط، ولا ينتهي أبدا، أما التاريخ الذي يحمله كل منا للقاهرة فيبدأ بالحي الذي ولد فيه، وينتهي بالمقابر التي دفن فيها الأحباب، مرورا بالبيوت التي تنقل بينها، والمدارس التي جلس في فصولها، والمصالح الحكومية التي قضى الساعات الطوال منتظرًا رضا موظفيها، وعربات الفول التي تناول عندها فطوره، والمقاهي التي شهدت صولاته وبطولاته وهو يقرص على الزهر، ويكسب العشرة وراء الأخرى. الإنسان تاريخ، والتاريخ هو الهوية؛ ولكل منه تاريخه وهويته الخاصة، ضمن تاريخ المدينة والوطن، فلنلحق بتاريخنا وهويتنا، ولنلق نظرات ونزور أماكن تذكرنا بتاريخنا وهوياتنا في مدينتنا سريعة التغير.

هذه الدعوة ليست موجهة فقط لعموم الناس، ولكن بشكل خاص لجماعات وآحاد المؤرخين والباحثين والمصورين والرسامين، لكي ينطلقوا إلى شوارع القاهرة؛ ليسجلوا كل شيء فيها، ويحكوا تاريخه، ويدونوا بالكلمة والصورة مراحل التغيير السريع الجاري. إنها دعوة لحفظ ذاكرة مدينة تتغير، لكي نترك للأجيال القادمة القدرة على تخيل الكيفية التي كانت عليها المدينة في الماضي، بالضبط كما نسعد اليوم لصور التقطها هواة ومحترفون للقاهرة قبل مائة، وسبعين، وخمسين عامًا. وقتها كانت القاهرة تضاهي مدن العالم الكبرى، وأنا على يقين من أنها ستصبح مرة أخرى إحدى أبهى مدن العالم.

إعلان

إعلان