الشباب والثقافة

د. غادة موسى

الشباب والثقافة

د. غادة موسى
09:12 م السبت 21 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

شبابنا يتساءل: ماذا أقرأ؟ وكيف أعلم؟ وكثير منهم يتوه في خضم الإجابة.
وفي العديد من المناسبات، سئلت الأسئلة ذاتها بشكل أو بآخر من الطلاب والشباب في الجامعة أو في اللقاءات الثقافية. وما أسهل أن يجيب الفرد: "روح اقرأ هذا الكتاب أو ذاك، أو يضع قائمة بعدد من الكتاب لإعطائها لهم!
إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي القول بأهمية أن يقرأ الشباب، وأن يمنح نفسه الحرية لقراءة ما يحب وقتما يشاء وفي المجالات كافة.
وعلى الرغم من تعامل الشباب المستمر والمكثف مع معطيات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وبرغم ما تتيحه لهم من فرص للحصول على كتب في جميع فروع المعرفة، فإنها في نفس الوقت سرقت وقتهم وطاقاتهم بعيدا عن التعلم والتثقيف وعن أي نشاط بدني أو ذهني واعٍ وهادف.
وفي هذا الإطار أشير إلى أنه حتى استخدام "بنك المعرفة" يتطلب مبالغ من الشباب للدخول على شبكة الإنترنيت وتحميل كتب لقراءتها. وهذا أيضا ليس في متناول يد كل الشباب.
يضاف إلى ما سبق انشغال الأسرة عن الأبناء بالسعي وراء لقمة العيش لسد احتياجاتهم من غذاء وكساء.
كما أن الأب والأم ليس لديهما وقتٌ للقراءة أو الراحة. فالدخل يكاد يكفي الحصول على وسائل المعيشة الضرورية، ولا يتبقى الكثير لإنفاقه في مجالات أخرى ثقافية أو غيرها.
---
يرتبط بما سبق خلو معظم البيوت المصرية من مكتبة صغيرة أو من الكتب. رغم أنه في فترات زمنية سابقة، وقبل تحرير سعر صرف الجنيه (التعويم)، كانت كتب كثيرة متاحة بأثمان معقولة، بالإضافة إلى وجود ما يطلق عليه (مكتبات الرصيف) التي تبيع الكتب بأثمان مخفضة، أو تمنحها على سبيل الإعارة.
لذا، أزعم أنه صار سلوكًا عامًا متمثلًا في عدم العناية المستدامة بالمكتبات أو بإتاحة الكتب بأثمان في متناول الشباب تحديدا.
ويعتبر المسرح أيضًا من وسائل التثقيف المهمة، بل كان الوسيلة الوحيدة في بعض الدول للتعبير عن مشكلات ومطالب وهموم وأحلام الناس، كما في إنجلترا. ومسارح الدولة تواجه بتحديات كبيرة ليس فقط من حيث محدودية الإمكانات المتاحة لإنتاج إعمال مسرحية، ولكن هناك تراجع في عدد المترددين على المسرح. فإذا أرادت أسرة مصرية (5 أفراد) دخول مسرحية في مسرح الدولة، فستحتاج إلى ما لا يقل عن مائتين وخمسين جنيها، وهو مبلغ- في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية- قد ترى الأسرة توظيفه للوفاء باحتياجات أخرى- من وجهة نظر البعض- أهم من الثقافة.
فالثقافة عند شعوبنا رفاهية وترفٌ، وليست من مستلزمات تجديد إنتاج طبقة وسطى حقيقية، أو بناء عقل الشباب وتوسيع مداركهم وصرفهم عن العنف والتطرف والسلبية والمخدرات.
ولا شك أن المسئولية لا تقع على وزارة الثقافة بمفردها، وإنما على عدد من المؤسسات، منها الأسرية والتعليمية والإعلامية، بالإضافة للمؤسسات الثقافية.
---
فما العمل؟ وكيف يمكن تدارك عدم انزلاق الشباب إلى حالة عدم الاهتمام التي قد تجرهم إلى حالة من اللاوعي؟
في الواقع ليس لدي إجابة محددة لهذه المعضلة؛ اذ يتطلب الأمر بداءة الوعي، ومن ثم الاعتراف بأن الثقافة وأدواتها ووسائلها ضرورة وغذاء للروح والعقل، كالغذاء الطبيعي، وأنها ليست فقط عملًا ترفيهًا، وأنها ضرورة للحفاظ على الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل بفعل تراجع معدلات الدخول وضعف سياسات وأدوات التمكين الاجتماعي والاقتصادي.
---
لقد كان من وسائل اهتمام السياسات الثقافية والإعلامية بالشباب وجود "مجلة الشباب". وأتذكر أنني كنت من بين الشباب الذين كانوا يحرصون على حجز نسختهم منها مع باعة الصحف. ولا أعلم إذا كانت تصدر الآن، أم توقفت.
وفي كل الأحوال كانت من المجلات الثقافية الهادفة. كما تميزت بثراء وبتنوع الموضوعات المطروحة وسهولة اللغة، وكانت تحتوي على قرص مضغوط (سي دي) به عدد من الموضوعات. هي مجلة بديعة بحق. ومنصة للتثقيف والاطلاع. فلمَ لا يتم تطويرها وتحديث موضوعاتها وإعادة توزيعها بدون مقابل؟
هناك العديد من الصحف والمجلات التي تطرح، ويتم وضعها في المقاهي والمحال العامة بدون مقابل بهدف جذب العميل لسلعة أو خدمة ما. فلمَ لا يتم طبع ووضع نسخ من مجلات الشباب في المحلات التجارية والمقاهي كوسيلة تثقيف سهلة وبسيطة وفي متناول يد الجميع.
هذا من جانب، من جانب آخر لا بد من جذب الشباب نحو المسرح.
وفي هذا السياق، أندهش من قيام المسئولين في الجامعات والمدارس بتنظيم رحلات للمتاجر وللملاهي، ولا يفكرون في رحلات لحضور مسرحية! حيث يمكن أن تساهم وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الاهتمام بتيسير تنظيم رحلات جامعية ومدرسية للمسرح القومي للنهوض بثقافة الأطفال والشباب. مثلما هو الاهتمام بالتكنولوجيا. فالأمران ليسا متعارضين، بل متكاملان.

إعلان

إعلان

إعلان