العيد.. إذ يطيب الزمان وتزهو الأمكنة

د.هشام عطية عبدالمقصود

العيد.. إذ يطيب الزمان وتزهو الأمكنة

د. هشام عطية عبد المقصود
09:01 م الجمعة 09 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تمضي خطوات الرجال بين ابتسامات وحكايات تتهادى على مهل وكأنها تطيل الطريق عامدة لتوزع مزيدًا من الأفراح الصغيرة على الجميع، تمضي وتمنح الأطفال المصاحبين لها حق المتابعة والتماع العيون وبناء مساحة التقاليد الهنيئة رويدا في النفوس.. ويعرفون وجهتهم تماما حيث هناك في اتجاه ذلك الطرف من البلدة، عند ذلك المكان الفسيح والملون بالجير الأبيض والمتصل بالترعة الكبيرة التي تصطف على شاطئيها شجرات باسقات ظليلة تسر الناظرين، في ذلك الصباح المبكر تماما يسير الأطفال مع الرجال ومن بينهم وحولهم وقد فرغوا توا من صلاة العيد، تتناثر عليهم الأوراق النقدية التي تتوالى على جيوبهم وأيديهم بطول الطريق وهي تحمل رائحة خاصة ربما ما يمكن أن تسميها وتبقى التسمية لا تبارح: رائحة العيد؟!.. يسير الجمع المبتهج الكبير الممتد صفوفا ويلقون السلام على البيوت التي تحمل على واجهاتها رسوما وكلمات طيبة بالخط الكوفي فترد عليهم السلام أو هكذا كان الأطفال يعتقدون.

تتشكل أول الطقوس العظيمة لصباح يوم العيد حلوة في أفواههم، إذ يمضون مع الرجال يلوكون بعضا من مخبوز صغير معجون بالقشدة لين شهي تصر الأمهات أن يأكلوه قبل خروجهم من البيوت الريفية في اتجاه المسجد "ما تخرجوش كده على لحم بطنكم طول اليوم".

يسير الأطفال الذين التقوا من الأسر المختلفة والتي جمعها العيد في المكان يتضاحكون ويتشاجرون ويتشبثون بأيدي الجدود والآباء حينا في سعادة، كان الحرص على التواجد في صبيحة العيد في مقر الجد تقليدا صار طقسا ثم ألفة ثم صار جزءا من الحياة التي يعرفونها، أطفال صغار كثيرون قادمون مع أسرهم من القاهرة في اتجاه تلك البلدة التي تحمل في كل طرف من أطرافها اسما لجد أكبر لكل من تلك العائلات الممتدة عبر الزمن والقاصدة ذات المكان.

قبل الاقتراب المباشر من وجهتهم عند طرف من تلك البلدة التي يتجمع سكانه وقوفا في انتظارهم بعد صلاة العيد في "المضيفة" تكون قافلة الرجال والأولاد المرافقين التي تسير قد اصطفت في طابور منتظم يسارع في الدخول من البوابة الكبيرة ليلقى تحية العيد على أهل هذا الطرف من البلدة، تحية بسيطة تصاحبها بهجة معلومة بالضرورة تفوح كالزهور من الوجوه وتبدو طيعة في الأيدي الممتدة "كل عام وأنت بخير" هكذا وفقط، تتكرر تلك الجملة تقولها وتسمعها بأصوات مختلفة كلها رائقة، تلقيها ندية وتتلقاها مليئة بالنسمات المحبة وأنت تسلم على كل هؤلاء الرجال وأطفالهم الواقفين داخل هذا المستطيل الضخم، أمامهم صوانٍ تتراص عليها في شكل دائري أطباق الفطور، والى جوارها تعلو أبخرة الشاي من براد يستلقى هادئا على نار تبدو خامدة إلا قليلا، كل عام وأنت بخير تدور مثلما الفراشات الملونة داخل المكان، لتدرك أنه العيد، وأنه لا يكون سوى وسط من تلف وتعرف.. العيد بالناس.. والفرح يتشكل في الالتقاء بهم والتواجد معهم وصنع تلك الأشياء البسيطة غير المفارقة.

تتكرر دوائر التزاور ورد الزيارات، فيلتقي كل من طالت آماد غيابهم، وتعلو حرارة المحبة لتدفئ ذلك الصباح الجميل، في العيد لا مجال تقريبا لاعتذارات أو حجج الغياب، هنا في هذا المكان مقام جمع الشمل، حيث يحضر الغائبون والمسافرون والأبناء والأحفاد لا يمنعهم عذر.

قبل تلك الرحلات الرحيبة إلى أطراف البلدة، تكون صلاة العيد قد انتهت مع آخر جملة يكررها الصدى تأكيدا في الفضاء وسط الحقول الممتدة مصحوبة بلسعة هواء الصباح المبكر النقية، ويكون خطيب صلاة العيد قد ذكر تلك الجملة التي كانوا يتلقونها كأطفال بصمت الاعتياد على سماعها كل عيد أو بقدر من لا مبالاة طفولية: "ليس العيد لمن لبس الجديد..." لم يكونوا يسمعون تكملتها فغرابتها ودهشتها كانت كفيلة بعدم التدبر وربما الاستنكار ثم التجاهل، كيف يا رجل لا يكون عيدا؟ وهل يصلح العيد بغير تلك التفاصيل المبكرة في تجريب وارتداء الجديد من الملابس، كانوا يتلقون تلك الجملة ولا يمنحون وقتا للتدبر في معناها ثم ينسون أن يسألوا الكبار ثم تتكرر المسألة كل عيد.

صاروا مع الوقت يدركون تماما معنى تلك الجملة ويعرفون ذلك الذي غاب عنهم هناك بعيدا في الزمان، نعم العيد هو أكثر من مجرد أن تلبس الجديد، العيد منارة الروح تتجلى في أنظار تستوعب مباهج الحياة وتملك ما يجعل كل ما حولها أفضل أو تحاول ذلك، العيد بحق هو لمن يفيض بسعته ورحمته ومحبته على غيره.

هكذا يأتي العيد، حين تضيف للحياة، تضيف رغم كل شيء وأي شيء ومتجاوزا كل ما يثقل الروح والعقل، فيصنع العيد حضوره الخاص والبهي ويمنح للعيون امتدادات جديدة.

إعلان

إعلان

إعلان