أصحاب الهمم "7".. صاحب الألف اختراع

د طارق عباس

أصحاب الهمم "7".. صاحب الألف اختراع

د. طارق عباس
09:01 م الخميس 08 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بذل إديسون جهودا علمية وعملية مضنية، من أجل تحويل أفكاره إلى مخترعات ناجحة، كان يسابق الزمن لإجراء التجارب والأبحاث ويصل الليل بالنهار لتجاوز الثغرات والعيوب التي قد تعيق خروج فكرته للنور، كان يقول دائما: (إن علي أن أعمل الكثير والحياة قصيرة ويجب أن أستعجل) وكان يقول أيضا: (أنا لم أفعل أي شيء بالصدفة ولم أخترع أيا من اختراعاتي بالصدفة بل بالعمل الشاق) وكان يقول: (أنا أبدأ من حيث انتهى آخر رجل، وكثير من إخفاقات الحياة لأناس لم يدركوا كم كانوا قريبين من النجاح).

لا شك في أن حرص إديسون على العمل الدؤوب قد عَرضه لحوادث كثيرة أثرت في حياته بل وبقيت في ذاكرته حتى فارق الدنيا، منها: إنه كان ذات يوم يجرب توصيل بعض الأسلاك بإحدى البطاريات بقصد عمل تجربة ما، وفجأة ينفجر حمض النيتريك في وجهه ويصيبه بحروق وقال إديسون عن هذا الحادث: (لقد شعرت بآلام عظيمة نتيجة ما حصل وخُيل إلي أنني قد احترقت حيا، لذلك أسرعت إلى الماء؛ لأصبه على وجهي الذي بدا لي في المرآة أسود قبيحا، استولى علي الإحباط وقررت التزام بيتي مدة أسبوعين خوفا من أن يراني أحد على هذه الحال ولم أخرج حتى شفيت تماما والحمد لله على سلامة عينيي؛ لأنهما لو كانتا مفتوحتين – عندما وقعت تلك الكارثة؛ لأصبحت الآن أعمى وأصم).

لقد مثلت مخترعات إديسون نقطة تحول عظيمة ومهمة في حياة البشرية، لما تمتعت به تلك المخترعات من قيمة يصعب الاستغناء عنها، على سبيل المثال لا الحصر:

أولا، الجراما فون: أول آلة تقوم بتخزين الصوت بعد تسجيله على أسطوانة من معدن، بحيث يمكن استرجاعه والاستماع إليه في أي وقت وفي أي مكان، كانت الفكرة غير معقولة في وقتها وكان من الصعب التصديق بحصولها والدليل أنه عندما فكر إديسون في الجراما فون في يونيو عام 1877 ووضع له مخططا قام بعرضه على مساعده السويسري "كورنيسي"، سخر الأخير من الفكرة بل واتهم إديسون بالجنون، قائلا له: (هل تريد للحديد أن يتكلم؟!) رد إديسون: (نعم، سأجعل الحديد يتكلم، فقط أرجوك أن تلتزم الدقة في تنفيذ مشروعي كما حددته لك وسوف ترى) قاطعه كورنيسي: (صدقني يا إديسون، سأراهنك الآن، لو نجحت فكرتك فسوف أعطيك علبة سيجار) وكان السيجار وقتها من الهدايا الغالية الثمن.

كان المخطط عبارة عن قمع واحد وإبرة وذراع ومقبض دوار متصل بهذه الذراع، انكب كورنيسي على تنفيذ الفكرة على مدى شهر كامل، وفي الوقت المقرر لاختبار الجهاز استوى إديسون على مقعده أمام الجهاز ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره ثم قرب فمه من القمع وراح ينشد بصوته الأجش أغنية شعبية كانت مشهورة أتبعها بضحكة مرتفعة ورنانة بعدها توقف قليلا متكئا بظهره على الوسادة التي خلفه مديرا ذراع الجهاز بيده ليخرج منه الصوت ويستمع له كورنيسي بمنتهى الوضوح لما تم تسجيله، وكم سعد الاثنان بالمفاجأة التي كانت بمثابة صيحة جديدة نحو الانطلاق لعالم الصوتيات والمرئيات" إذاعة وتليفزيون وسينما" ولولا هذا الاختراع العظيم ما احتفظ الإنسان بأصوات وأحداث ولت وانتهت ولم يعد لها وجود.

ثانيا، المصباح الكهربائي: كانت المدن الأمريكية في معظمها غارقة في الظلام بل ولم تكن تعرف شوارعها الرئيسية النور إلا من خلال مصابيح مقوسة تعمل لفترات قليلة وتشتعل بقوة إلى درجة تكاد تعمي الأبصار، كما كان لها صوت مرتفع يكاد يصيب المارة بالصمم، الأمر الذي دفع توماس إديسون لأن يقبع في معمله بـ"مانلو بارك"؛ ليجري مئات التجارب من أجل صنع مصباح صغير الحجم قادر على الإضاءة لفترات طويلة، والحقيقة أن تجاربه كلها في هذا الخصوص كانت شبه فاشلة، لكنه لم يكن ييأس أبدا ويصر على مواصلة جهوده، فالعالم لا يمكنه أن يعيش في الظلام، كما كانت أمه في حاجة لعملية جراحية عاجلة لم يتمكن الطبيب من إجرائها لها لعدم وجود الضوء الكافي، لهذا كان لا بد من الاجتهاد، حتى وصل للسر وتمكن من اختراع المصباح الكهربائي الذي يعمل لفترات طويلة وبدون توقف، وهو مصنوع من زجاجة مفرغة من الهواء وأربعة أسلاك كربونية موصلة بطريقة معينة، وفي رأس السنة لعام 1879 – 1880، خرج إديسون بالاختراع وعلق مصابيحه على الأشجار لتزيينها وظلت تضيئ للناس حتى جعلت ليلهم نهارا مشرقا بالنور.

انهالت على إديسون البرقيات تهنئه باختراعه وتدعوه: (نرجوك أن تأتي إلينا لتضيء مدننا) ولهذا الغرض أنشأ إديسون أول شركة متخصصة في صناعة المصابيح الكهربائية في العالم وسماها "شركة إديسون للإضاءة الكهربائية" وكان مقرها نيويورك وتركز جهدها في تزويد المدن بالطاقة والتدفئة والنور، وخلال الثلاث سنوات التالية بنى إديسون أول محطة لتوليد الطاقة في نيويورك تبعها بعمل محطات أخرى في ألمانيا وإيطاليا وتشيلي... إلخ.

من مخترعات إديسون أيضا: التليفون، التلغراف الآلي، مسجل التصويت الكهربائي، بطارية التخزين القلوية، المولد الكهربي، القلم الكهربائي، الصور المتحركة، خلايا الوقود، طاحونة المواد الخام، مؤشر الأسهم، آلة قياس مقدار استهلاك الطاقة الكهربائية، المنازل الخرسانية، الأثاث الأسمنتي، ومخترعات كثيرة أثبتت أن الإنسان إذا أراد أن يبدع ويتميز فسوف يكون كذلك؛ لأن قوته ليست في جسده وعضلاته وإنما في عقله الذي يميزه بين من يستطيع ومن لا يستطيع، فصمم إديسون لم يحل بينه وبين عبقريته، بل كان حافزا لأن يخرج أجمل ما فيه ويصبح أمام العالم إديسون الذي خدم البشرية وما زالت مخترعاته الزاوية التي تتكئ عليها وتنطلق منها لكل ما ينفع ويفيد.

إعلان

إعلان

إعلان