• "دنياي القديمة".. قصيدة

    د. عمار علي حسن

    "دنياي القديمة".. قصيدة

    د. عمار علي حسن
    09:00 م الأربعاء 21 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ماتت دنياي القديمة

    حين مررت عليها بالأمس

    وجدت بعضها ملفوفًا في الكفن

    الآخر دفنوه قبل وصولي

    ومدوا الكلام إليَّ

    كي نرثي سويا هذا الزمن

    الذي ولّى في غفلة مني

    آخذًا معه الصِّبا

    وأيامًا ظننا أنها باقية

    جارية

    سارية

    لن تغلبها المحن

    التي سرقت الأعمار

    أخفت الأخبار

    الأقمار

    الأزهار

    تركت تحت أقدامنا ليلًا وقحلًا

    وشوارع غريبة

    وسيقان مجهدة

    تمضي على مهل

    يغلبها الوهن

    بين وجوهٍ لا تعرفني

    وواجهاتِ محلات تبدلت

    وحكاياتٍ تعطلت

    وطرقاتٍ ضاقت

    زاغتْ

    ضاعتْ

    لم يبقَ منها سوى أطلال ذكرى

    وصوتٍ يهمس مخنوقًا

    فلا يسمعني

    ولا أسمعه

    ولا يذيب هذا الشجن

    الذي كان يملؤني

    وأنا أسير مغسولًا في المطر

    وعرق الهجير

    وشمس العصاري

    ونداء الباعة الجائلين

    على ما تحمله أيديهم المتعبة

    ولا يكاد يبدي الثمن

    كانوا يلتقطون أرزاقهم دعاءً

    وكنت ألتقط رزقي انتظارًا

    نتقابل عند مفارق الطرق

    يلقون السلام

    أرد السلام

    لا نطق مني

    لا سمع منهم

    عيونٌ تلاقت

    وأيدٍ تراخت

    أمام جيوب خاوية

    تصرخ في العلن

    أنني في بداية الطريق

    وأن الأيام ستجود بما يكفي

    كي لا أرد البائع خائبًا

    وأجعل الحاضر غائبًا

    لكنني حين ملأت جيوبي

    بمال وفير

    وأمل كبير

    عدت إليه في الشوارع التائهة

    فلم أجده هناك

    كان قد مات!

    أخذ معه أملي في أن أجعله يمضي نحوي

    ويبتسم!

    وهو يمد بضاعته البائرة إلى يدي

    ليغتنم

    من أملى الكثير في إسعاده

    فتتمايل بيننا الضحكات

    تنفجر كشلّال هادر

    ثم تهدأ لتبدو تغريد عصفورين صغيرين

    يتبادلان الرقص

    فوق تعريج الفنن

    ومطعم الفلافل الذي كنت أملأ منه بطني

    صار محلا لبيع الهواتف

    وقفت أمامه حزينًا

    فلا الرنين يشبعني

    ولا التماعُ الشاشات الماجنة

    يساوي بريق الزيت فوق الأطباق الساخنة

    ولا النادل الذي كان يدور بين الطاولات

    يمكن أن يغني عنه هذا الوثن

    والمقهى الذي طالما تسرب حزني

    على مقعد جانبي فيه

    أغلقوه

    باعوا واجهته ومقاعده

    والنصبة الساخنة

    والنادل فارع الطول

    والأكواب الفارغة

    ومراوح السقف القديمة

    وطاولات النرد والدومينو

    وأيدي اللاعبين البارعة

    وكل ما كنت أحسبه الوطن.

    إعلان

    إعلان

    إعلان