الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٨)

د. غادة موسى

الحاجة لمشروع إصلاحي فكري (٨)

د. غادة موسى
09:00 م السبت 17 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في الجزء السابع، تم تناول العقلانية كإحدى خصائص الحداثة في الفكر الأوروبي الغربي، وكانت نتاجًا لتطور تاريخي وتقني نشأ في الجزء الغربي من القارة الأوروبية.

في هذا الجزء سيتم استكمال الخصائص الأخرى. ومنها الفردية individualism وللوهلة الأولى يأخذ الذهن انطباعا سلبيا إزاء كلمة "الفردية"، وتتبلور اتجاهات بأن الفردية مرادفة للأنانية وحب الذات مقابل حب الآخر وحب المجتمع.

في هذا السياق أشار أحد فلاسفة علم السياسة "ديفيد هيوم" في القرن الثامن عشر في مقالاته "حول الأخلاق والسياسة والأدب: مبادئ الأخلاقيات" إلى أن الفرد ينشأ في أسرة، وهو ملزم بالحفاظ عليها في إطار المجتمع وحمايتها من العوز ومن العادات الضارة. ودور الاسرة هو المساهمة في إنشاء المجتمع السياسي القادر على نشر العدالة وإدارتها.

وبدون العدالة لا يستتب الأمن ولا السلام ولا النظام. ومن ثم ينهار المجتمع. ورغم ما سبق يرى "هيوم" أن الأمر لا يسير دوما في هذا الاتجاه؛ اذ من الصعب السيطرة على حاجة الفرد لتعظيم مصالحه الفردية وترقيتها وتنميتها، عبر ممارسات تخرق وحدة المجتمع.

ومع تطور النزعة الفردية نحو عبور السياج المجتمعي والقفز على التراتبية الاجتماعية التي كانت تقودها الأرستقراطية التي حل محلها التجار والصناع والصيارفة، بالإضافة إلى التوسع في المدن والزيادة في عدد السكان بفعل تطور الرعاية الصحية، بدأت الفردية في الظهور كفلسفة سياسية في ١٨٢٠ في فرنسا تحديدا لتبحث في القيمة الأخلاقية للفرد.

فالفردية ليست هي الأنانية أو الفوضوية، وإنما هي البحث في إجراء التوافق بين قيم الفرد الأخلاقية وقيم المجتمع.

وقد انعكست تلك الفلسفة في البحث في العلاقة بين السلطة والحرية. فلا يمكن ان تسود الحرية على السلطة، وأيضاً لا يمكن للسلطة أن تلغي الحرية.

ومن أهم خصائص الأخلاقيات الفردية- ومن ثم الثقافة الفردية- أن يكون الفرد "جيدا"، ويتحقق ذلك بأن يكون مستقلا وقويا ولديه إرادة، وذلك مقابل الثقافة الجماعية، أي ثقافة المجموع والتي تتسم بالتضحية والاعتماد على الآخر ومساعدته.

وفي جميع الأحوال وفق "جيريمي بنثام" في كتابه "مبادئ الأخلاقيات والتشريع" فإن الفرد محكوم بأمرين يتحكمان في تصرفاته "المتعة والألم"، ومن ثم مبادئ الصواب والخطأ.

فقدرة الفرد على إدارة المتعة والألم تحدد سلوكه الصائب وسلوكه الخطأ، أما عن رفض التقليد كأحد خصائص الحداثة الأوروبية الغربية، فلا يشير مصطلح التقليد إلى العلاقة بين المشرق والمغرب، وإنما يرتبط بالتطور في المجتمع الأوروبي الغربي، من خلال رفض المفروض والأنماط والقوالب الجامدة والتمسك بما هو قائم اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا دون تجاوزه.

بمعنى آخر إضفاء القداسة على ما هو موجود وعلى ما ألِفٓه أفراد المجتمع. وهنا يجب الوعي بأن هذا التطور كان حتميا في أوروبا الغربية بفعل سطوة مؤسسة الكنيسة الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

أما في المشرق فقد عبر عن هذه العلاقة عبد الرحمن الجبرتي في القرن التاسع عشر وعقب جلاء الحملة الفرنسية عن مصر في كتابه "التقديس في زوال دولة الفرنسيس"، حيث انتقد فيه الفرنسيين ووصف فرنسا بأنها دولة مارقة تهدد التراث المشرقي والخلافة الإسلامية، ومن ثم رفض كل ما جاءت به الحملة الفرنسية وكل منتجاتها. وهو عكس ما ذهب إليه رفاعة الطهطاوي عندما زار فرنسا، ودعا إلى نقل العلوم والآداب وتعليم المرأة.

ولم يقف تأثير الحملة الفرنسية عند هذا الحد؛ إذ رأى عبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميل وفرح أنطوان الذين تأثروا بالاحتكاك بمنتجات الحملة الفرنسية أن البنى الفكرية والمجتمعية في المشرق متخلفة وأن التربة غير مهيأة للتعامل مع مفردات الحداثة "الغربية".

فمن وجهة نظرهم رأوا أن شروط الحداثة من مجتمع صناعي يعمل وفق قواعد النظام الرأسمالي الذي يراكم الثروة لم تكن موجودة في المشرق.

وخلافاً لهؤلاء برزت تيارات فكرية إصلاحية محافظة تدعو إلى فكرة "الإحياء" وهي الدعوات المحافظة التي تدعو إلى البحث في الدين الإسلامي عن العقل والعلم مثل جمال الدين الأفغاني (مجلة العروة الوثقى) والإمام محمد عبده ورشيد رضا. ودعوات "التجديد" وهي الدعوات الليبرالية التي عبر عنها مجموعة من القوميين العرب الذين سعوا إلى إحياء اللغة العربية وآدابها، وإقامة الوحدة على أساس اللغة والأرض والانتماء الثقافي على أساس علماني، مثل قاسم امين وجورجي زيدان ومعروف الرصافي.


وعليه، فإن الانشغال بموضوع وقضية إصلاح الفكر ليست وليدة اليوم أو "انتفاضة ثقافية" وقتية تزول مع تحقق جزء منها أو سحق الفكرة بأسرها تحت وطأة انسداد الأفق.
وإنما هي انشغال دائم وهم يحمله العقل المصري والعربي.


وما دمنا وصفناه بالهم، فذلك معناه أنه لم يتحقق بعد، وأننا ما زلنا نحوم حول محدداته وشروطه ومنظوماته. بل أكثر من ذلك وهو أننا لم نتفق بعد على منطلقاته الفلسفية والفكرية، فجعلنا من تيارات البحث في كيفية تحقيقه (الإحيائيون- الإصلاحيون- المجددون- التقدميون) تيارات في حالة صراع اكثر منها في حالة بحث أو حوار.

في الجزء التاسع سيتم مناقشة الخصائص المتوافرة لدينا في المشرف بشكل مبسط، وذلك انطلاقا من ظروفنا التاريخية والمادية ومدى قدرة هذه الخصائص على أن تشكل ركائز لمشروع إصلاحي فكري.

إعلان

إعلان

إعلان