•   جنازة جديدة لعماد حمدي!

    د. ياسر ثابت

    جنازة جديدة لعماد حمدي!

    د. ياسر ثابت
    09:00 م الخميس 25 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لسنوات، ظن كثيرون أن الروائي وحيد الطويلة وجد منطقته الآمنة: القرية.

    تدفقتْ حكايات مدهشة عن عالم القرية وأسرارها وشخوصها عبر سلسلة من الأعمال القصصية والروائية المرسومة بذكاء، مع خليطٍ من الواقعية السحرية وروح السخرية التي يحتفظ بها وحيد الطويلة مثل قبعاته الشهيرة.

    غير أن الكاتب طمع في اكتساب أرضٍ جديدة يثبت فيها مكانته في عالم الرواية وقدرته على تجديد أدواته ومسرح حكاياته، فكانت مغامرته الروائية السابقة «حذاء فيلليني» (دار المتوسط، 2017)، التي عززها برواية أحدث تحمل عنوانـًا لافتـًا: «جنازة جديدة لعماد حمدي».

    رواية في نحو 300 صفحة، صادرة عن دار الشروق، القاهرة (2019) تحمل من الصور والتوجس والمفاجآت ما يجب أن تكون مستعدًا لتلقي حمولته الكبيرة عبر سطور تتقافز أمامك كلماتها برشاقة ونزق. حكايات "كأن الحياة شاشة عرض تتناوب الصور عليها دون سابق إنذار" ص 44.

    في هذه الرواية الرمزية والنفسية إلى حدٍ كبير، يكشطُ وحيد الطويلة تلك الطبقة التي يتخفى خلفها كثيرون، ويقدم الجميع على طبقٍ من تلك العلاقات المتداخلة بين النفوذ والخوف وحُبِّ الانتقام.

    وإذا كانت «جنازة جديدة لعماد حمدي» تنقلك إلى عوالمَ سُفلية غامضة مع فنان مجنون تصادَف أنه ضابط شرطة، فإن الأهم من ذلك هو أنك ستواجه بتفاصيل مثيرة -وربما لأول مرة في الرواية المصرية الحديثة- هذا العالم الغرائبي من القتلة والمخبرين والبلطجية ومُسجّلات الآداب وعُشاق البذلة الرسمية.

    منذ انطلاق قطار الرواية وأنت على مقعد التأهب والتحفز لما هو آتٍ. ضابط سابق ذاهب لتقديم واجب العزاء إلى مسجل خطر، بعد وفاة ابنه. هذه العبارات التي يضعها وحيد الطويلة أمام قارئه هي فخ الترقب والانتظار، الذي يُبقي الجميع في حالة قلق وفضول.

    "سؤال وحيد يكاد يشرخ دماغه: إلى أين أنت ذاهب؟ إلى مسجَل خطر! إلى أخطر الخطرين، ملك الإجرام الذي تُطبَخ المصائب في دهاليزه.

    "ما الذي يدعوك لذلك، أو يُجيبِك؟ يكفي أن تكلمه في التليفون، وتُطيِّب خاطره، أو لا تُطيِّبه، مجرد اتصال وكلمتين وينتهي الأمر" ص 9-10.

    تساؤلات كثيرة تثيرها رحلة الضابط الذي يواجه الإجرام والفساد معًا، للقاء مسجل خطر في عقر داره.

    "أنت الآن ذاهب للرجل الذي تسبب في خروجك من المباحث، بل وخروجك على المعاش، المسجل خطر، الذي قطع علاقتك بحياة وظيفية لم تحبها يومـًا، لكنك غصتَ فيها، وقضيتَ ما يزيد على نصف عمرك" ص 15.

    وحين يقترب الضابط السابق «فجنون» من سرادق العزاء، نشعر بتكثيف اللحظة، كأنها مواجهة قيد الترتيب.

    "أنت الآن أمام باب سرادق لعزاء موجع، عزاء نجل كبير المرشدين والبصاصين والمخبرين على مستوى القُطر كله" ص 18.

    "ادخل الآن مرفوع الرأس، هذا سرادق أقامه الدكتور ناجح كبير مسجلي خطر البلاد، وربما البلاد العربية، الذي اعتزل وتحوَّل إلى كبير مرشدي البر كله، أقامه لنجله ووريثه -الله يرحمه- والذي كان يعده لخلافته وتسليمه الراية في الشهور القليلة القادمة" ص 30.

    "أنت الآن تتحدث إلى نفسك كأنك تركتَ العمل بالبوليس منذ قرن! يا مولانا لم يمض على خروجك سوى شهور، أثر كلبش الوظيفي ما زال في يديك، والحوادث التي وقعت لك تطنُّ في رأسك، تراها تمشي أمامك كأنها وقعت بالأمس، رأسك محشوة بوجوه المجرمين، ملابسهم، أصواتهم، تشعر بهم تحت ملابسك، مراوغاتهم في التحقيق، الأمواس التي يحشرونها تحت ألسنتهم، الرصاصات التي أخطأتك، الليالي السوداء التي قضيتها تتمرغ في جريمة قتل، وليس بيدك دليل واحد، أو حتى قرينة" ص 10.

    ولكن ما هي هذه العلاقة الغريبة التي يتناولها وحيد الطويلة بين طرفي نقيض؟

    "لم يكن الرجل مسجلًا خطرًا على طول الخط، بل كان المرشد الكبير لك، المصنف رقم واحد، مخبر الحكومة، بيضة النعامة التي وجدتها أسفل مكتبك، أهداك مفتاح الحل في قضايا كثيرة، أنقذك من الموت مرة، وكاد يودي بك مرات، كان سندك حتى لو كان بالأساس سندًا لنفسه" ص 11.

    "لديَّ مرشدون أكثر من الهم على القلب، أكثر من عدد شعر الرأس، لكن تحت القبة شيخ، تحت إبطي كبيرهم" ص 45.

    وفي الطريق إلى العزاء، نتعرّف إلى أبعاد شخصية «فجنون»، الذي يضايقه سجنه الداخلي وعذابه بين ميوله الفنية وبين إجبار أبيه له على الالتحاق بكلية الشرطة، بينما تبحث روحه عن حريتها وسط عالم مليء بالجريمة والحُبِّ والفن.

    "زاغ أخوك من الحرب، هرب من الساحة على حد تعبير أبيك، ولم يبق سواك" ص 13.

    "أبطالك الحقيقيون هم المسجلون خطرًا.

    "لذا رحتَ تخلقُ أبطالك داخلك على شاكلتهم، بل على شاكلة مسجل واحد كبير، تاب توبة غير نصوح، وعمل مرشدًا للحكومة" ص 17.

    هذا هو أحد مداخل رواية «جنازة جديدة لعماد حمدي»، التي تصلح لدراسة النفس البشرية ونوازعها وتعقيداتها، التي تجعلنا أقرب ما نكون إلى كائنات شديدة التناقض تحاول التطهر بعد فوات الأوان.

    إعلان

    إعلان

    إعلان