• بائعة الخضار.. "قصة قصيرة"

    د.هشام عطية عبدالمقصود

    بائعة الخضار.. "قصة قصيرة"

    د. هشام عطية عبد المقصود
    09:00 م الجمعة 28 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    المرأة السمينة ذات الوجه المتغضن، والتي يتبعثر شعرها الأبيض خارجا دوما عن محاولات إحكامه المتكررة داخل طرحتها السوداء، بائعة الخضار التي لم يسمعها أحد يوما تحكي عن أهلها أو أبناء لها، أو تقص هامسة بعضا من نميمة البيوت ذات الشقق العتيقة التي يحتشد بها الشارع الواسع في الحي القديم، والتي تسمعها من بعض النساء اللواتي يجئن إليها كل صباح لشراء ما يلزمهن وقد يجلسن قليلا، يهمسن إلى جانبها ثم أحيانا يضحكن.

    وحيدة تجئ ووحيدة تمضي، تبدأ سيرتها النهارية عندما تشرق شمس يوم جديد، وبعد أن تودع النسوة المختبئات خلف جدران البيوت القديمة أزواجهن، فيهرعن إليها، يشترين، وقد تطول وقفاتهن بين دعابات وحكي.

    بائعة الخضار، تجلس هناك عند نهاية الشارع المتسع في الحي القديم، لم تغير مكانها حتى صارت جزءا من ملامح الشارع وحركة ساكنيه، جالسة تستدير بنصفها الأعلى لتناول أحد الواقفين شيئا، ثم تأخذ حساب ما يشتريه، تكرر بانتظام الحركة التالية، بأن تفتح كيس القماش القديم، والذي تضيق فتحته من أعلى، وتُخرج منه لفة من الأوراق النقدية الصغيرة، تضم إليها أو تخرج منها شيئا، ثم هناك إلى جوار الثدي الأيمن الضخم المتدلي، تحفظ خبيئتها، وفقط وبعد أن يخفت زحام الصباح المبكر ويمضي المشترون، تكمل ما بدأته متقطعا حين يتاح لها وقت فراغ قصير بين عمليتي بيع أو بعد حديث عابر، حيث تقوم بتفريغ القلب الحلزوني اللين لكتل الباذنجان صغيرة الحجم، والمتراصة أمامها كوماتٍ، الباذنجان ذو اللون الأبيض المختلط بحمرة خفيفة، لتجعله صالحا للحشو، لتأخذه النسوة الموظفات، وهن عائدات من أشغالهن، يذهبن إليها، يقفن قليلا ويتحادثن معها، ثم يمضين حاملات حقائب البلاستيك غير الشفافة ممتلئة بالباذنجان.

    تأتي كل يوم بلا انقطاع ومنذ الصباح المبكر، يتزامن حضورها مع الاختفاء المتدرج للظلال الرمادية الأخيرة لسواد المساء بينما تقتحمه ضياءات الصباح الأولى، وبعد أن عزم الليل أن يطوي مظلته ويمضي، دوما تجلس في موضعها، ترفع غطاء ثقيلا قديما عن كومتها، وتبدأ في رش قطرات من الماء على ما تبقى من خضار الأمس، وتنتظر تلك العربة الكارو، والتي حين تأتى، يهبط من أعلاها الولد ذو الجلباب الرمادي المتسخ، يضم يديه وينفخ فيهما بقوة، ثم يفركهما جلبا للدفء، يرص إلى جوارها حزمًا وأقفاصًا مغطاة بالقش، وبعد أن تستدير العربة، تبدأ في كشف محتوي الأقفاص وعرضها، تكرر مشهدها اليومي، وبعد أن تنتهي مطمئنة من ترتيب بضاعتها، تذهب لتطرق على الباب الصاج لدكان الفول المجاور لجلستها، توقظ العامل فيفتح من الداخل، وتعود إلي موضعها.

    في هذا الشارع الساكن الذي يبدأ توا يقظته، تتوالى حركات النهار الجديد في تناغم كأنها تسير بتواتر الزمن واعتياده، إذ ينفتح أحد أبواب المنازل الصغيرة المتلاصقة، ويخرج الرجل العجوز في ذات موعده، يلقي عليها الصباح، ثم يحكم شاله الصوفي حول رقبته، متهيئا لكي يستقبل لفحات الهواء البارد.

    بائعة الخضار، تلك التي يوما أقسمت أن تخلع كل ملابسها وهي تصرخ باكية - هي لم تفعل ذلك ولكنها كانت عازمة- عندما حاول أحد البلطجية أن يفرض عليها إتاوة، فصرخت وهمت بنزعها كاملة، في تحد وتهديد له باغتصابها، ذلك المشرد فاقد الإدراك، بوغت بما فعلت، فكأنه استفاق، وهرول صامتا، ولم يعد إليها قط.

    بائعة الخضار، التي طالما رفعت عجيزتها الضخمة إلى أعلى كثيرا، بينما تدلت رأسها حتى لتكاد تلامس الأرض، وهي تنهمك كل صباح مبكر في رص حزم وأقفاص الخضار، لن تعود ثانية توقظ عامل المطعم المجاور، ولن تبتسم وهي ترد الصباح علي الرجل العجوز الذي يحكم شال الصوف حول رقبته وهو يستقبل لفحات الهواء البارد، الذي يأتي من الشارع الواسع الممتد.. هناك.

    هامش:

    "يا هناه اللي يفوق من نومه قاصد ربه وناسي همومه.. يفرح قلبه.. يسعد يومه" (كلمات أحمد رامي وغناء السيدة أم كلثوم).

    إعلان

    إعلان

    إعلان