• عندما يصبح الموت فضيلة

    د. أحمد عمر

    عندما يصبح الموت فضيلة

    د. أحمد عمر
    09:01 م الأحد 19 مايو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    أحيانًا يصبح الموت المبكر فضيلة وراحة؛ لأنه يجنب الإنسان الدخول في التجربة، وخيانة قناعاته، ومبادئه، وأحلام شبابه.

    وهذه الفضيلة غير مكتسبة، بل منحة من صنع القدر الذي يجعل حياة بعض البشر بيننا ومضة خاطفة، كشهاب يمر بحياتنا ينير في لحظة دروبنا، ثم يختفي، لنعلم بعد ذلك أنه لم يكن يضيء فقط، بل أيضًا يحترق.

    وخير من ينطبق عليهما هذا الوصف هما الراحلان عن دنيانا في سرعة البرق! الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله، شاعر القصة القصيرة وصاحب "الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة"، والشاعر الجنوبي أمل دنقل، صاحب "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة".

    وأظن أن من أهم أسباب صنع أسطورة يحيي الطاهر عبد الله وأمل دنقل، وحضورهما الإنساني والإبداعي المتجدد إلى اليوم في وعي عشاق الأدب والشعر وقلوبهم هو موتهما المبكر مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهما في قمة توهجهما الإبداعي، وعند بداية سن الأربعين، ودائما ما أطرح على نفسي هذا السؤال:

    ماذا لو امتد بهما العمر إلى الآن ليصبحا اليوم فوق سن السبعين؟

    ما الذي كان سيفعله بهما الزمان، وهزيمة الأحلام، وأعباء الحياة والأسرة والأبناء؟

    هل كانت لتخف حدة وجموح يحيى الطاهر عبد الله، ورغبته في التحرر من القيود وأي التزام، بوصفه مبدعا وفنانا، ويقبل بوظيفة في وزارة الثقافة، لتنضب موهبته، ويكف عن كتابة القصة منذ سنين؟

    وهل كان يمكن لأمل دنقل أن يتحرر من التزامه الشعري والطبقي والوطني، وينتهي إلى القناعة بعدم جدوى المقاومة بالكلمة، ويتفرغ في خريف حياته لكتابة أغاني المسلسلات، والمتاجرة بنموذجه وطابعه الصعيدي المحبوب؟

    ربما حدث ذلك، وانتهيا إلى ما انتهى إليه الكثير من أبناء جيلهما.

    وربما ظلا وفيّين لمبادئهما، واختياراتهما في الحياة، وأحلام شبابهما؛ ولوجدنا يحيى الطاهر عبد الله بيننا اليوم، يكتب بصدقه المعهود باقي حقائقه القديمة الصالحة لإثارة الدهشة، ويُجسد بحساسيته الإبداعية الفائقة دراما حياة المصريين اليوم، ويُخاطب الكادحين وملح أرض هذه البلاد بمقولته الخالدة:

    "ارفع فأسك المصرية، وبيديك القادرتين هاتين، اضرب واجرح الأرض كما لو كنت تقتل حية. مزق جسد الصخرة، وارفع حاجز الموت عن الشجرة التي تمنحك الظل والثمرة".

    ولربما استمر أمل دنقل على التزامه وصلابته القديمة، رافعًا بين الناس نشيده الخاص:

    "آه.. ما أقسى الجدار/ عندما ينهض في وجه الشروق/ ربما ننفق كل العمر/ كي ننقب ثغرة/ ليمر الضوء للأجيال مرة/ ربما لو لم يكن هذا الجدار/ ما عرفنا قيمة الضوء الطليق".

    ولكن الشيء المؤكد أن الموت المبكر كان بالنسبة لهما طوق نجاة، لأنه جنّبهما الدخول في التجربة، والمرور بدراما تحولات المثقفين والكتاب في العقود الأخيرة، بدافع الهزيمة النفسية، وموت الأحلام الكبرى، والانغماس في مشاغل وأعباء الحياة وطلب الرزق.

    رحم الله يحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل؛ فقد رحلا مبكرًا، وهما وفيّان لمبادئهما واختياراتهما في الحياة، ليعيشا بحب واحترام في عقول وقلوب كل من سوف يأتي في المستقبل ليقرأ إبداعهما ويعلم سيرتهما، ويحاول أن يفهم، ويفك شفرة الرسائل والمضامين المتجددة في أعمالهما التي كتبت لهما الاحترام والخلود، وجعلتهما "موتى لا يرحلون".

    إعلان

    إعلان

    إعلان