الشيء ونقيضه في هذا الملف الساخن!

الكاتب سليمان جودة

الشيء ونقيضه في هذا الملف الساخن!

سليمان جودة
09:01 م الأحد 19 مايو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لو تابعتَ أبعاد التوتر المتصاعد، هذه الأيام، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فسوف تلاحظ بالضرورة أنه يتميز بأشياء كثيرة عن كل توتر مماثل بين أي دولتين أخريين، ولكن الشيء الأهم الذي يميزه أنه يضم الشيء ونقيضه في ذات الوقت!

والحقيقة أنك لن تستطيع أن تعرف بالضبط - وأنت تتابع تفاصيل ما يجري- ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل التصعيد في الأزمة عن قناعة حقيقية بما يفعله، أم إنه يفعل ذلك لمجرد الرغبة في الإطاحة بشيء كان سلفه الرئيس باراك أوباما قد بناه، في صورة اتفاق نووي جرى توقيعه مع طهران خلال آخر سنوات أوباما في الحكم!

كان الاتفاق قد انعقد بين إيران من ناحية، وبين ما يسمى بدول "خمسة زائد واحد" من ناحية أخرى، وهي الدول الخمس التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، وتحتكرها دون باقي دول العالم!

وهذه الدول هي: (الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا) وكانت ألمانيا هي الدولة السادسة، وكان اتفاق الدول الستة مع إيران ينص في مجمله على أن يتوقف الإيرانيون عن المضي في مشروعهم النووي مؤقتاً، ولفترة يحددها الاتفاق!

ولكن ما إن رحل أوباما عن البيت الأبيض في يناير ٢٠١٧، حتى كان ترامب قد بدأ في التحلل من الاتفاق، فكانت خطوته الأولى هي الانسحاب منه، ثم كانت الثانية هي فرض عقوبات على إيران، ثم كانت الثالثة هي التصعيد في فرض العقوبات، إلى أن وصلت ذروتها في أول مايو الحالي، بتصفير صادرات النفط الإيراني، بما يعني منعها من تصدير بترولها تمامًا!

وفجأة، قرر ترامب إرسال حاملة طائرات إلى الخليج العربي، ومعها قاذفات شبح ٥٢ الشهيرة، ومعهما ومعهما، وبدا الأمر كله كأن المنطقة على حافة حرب توشك أن تنزلق إليها!

وكان الشيء ونقيضه حاضرين في هذه الأجواء منذ بدايتها، ومن ذلك مثلاً، أن نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي خرجت لتصرح، وتقول إن ترامب لا يملك تفويضًا من مجلسها لشن حرب على إيران!

وبما أن بيلوسى تنتمي إلى الحزب الديمقراطي الذي يجلس في مقاعد المعارضة لسياسات ترامب، وبما أنها تكيد له ولحزبه الجمهوري طول الوقت، فمعنى كلامها أن كل ما يفعله إزاء إيران هو نوع من التهويش، لا أكثر، وأنه لا يستطيع شن حرب عليها إلا بالعودة إلى مجلس النواب للحصول على تفويض صريح منه، فإذا عاد إليه، فالغالب أنه لن يحصل على ما يريده، لأنه سيجد الديمقراطيين في انتظاره هناك!

ولم يكن هذا هو الدليل الوحيد على وجود الشيء ونقيضه، فلقد كان هناك دليل آخر أقوى، وكان هذا الدليل الثاني هو الوصول المفاجئ للرئيس السويسري أولى مورير إلى واشنطن، من أجل مباحثات لم يُعلن عنها مسبقاً مع ترامب، وقد وصل مورير، بينما الأزمة تتصاعد إلى منطقة الذروة!

وكان وصول مورير بالذات له معناه؛ لأن سويسرا هي راعية المصالح الأمريكية في طهران، منذ قطع العلاقات الأمريكية الإيرانية عند قيام ثورة الخميني عام ١٩٧٩، ولأنها تمثل القناة الدبلوماسية الوحيدة المفتوحة مع إيران، منذ بدء التصعيد؛ فلقد كان ترامب قد قال من أول لحظة في الأزمة إنه يدعو الإيرانيين إلى التفاوض، وأن رقم تليفونه موجود لدى الجانب السويسري، وأنه في انتظار قبول إيران بالجلوس على المائدة!

ثم كان هناك دليل ثالث على الشيء ونقيضه، عندما استقبلت الحكومة الصينية وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في نفس توقيت زيارة رئيس سويسرا إلى واشنطن، وقال بيان صادر عن بكين إن الصينيين يعارضون العقوبات الأمريكية الأحادية على إيران، ويقفون مع الحكومة الإيرانية، ويتفهمون موقفها!

وكانت هناك دلائل أخرى، وكان السؤال هو: لماذا يحشد ترامب في اتجاه حرب لن يذهب إليها في الغالب الأعم؟!

الراجح أنه يفعل ذلك لعدة أسباب:

أولها أنه ذاهب إلى انتخابات رئاسية في نوفمبر بعد القادم، وقد بدأ الديمقراطيون في التسخين لها داخليًا، ويريد هو من جانبه أن يمارس التسخين نفسه، ولكن على طريقته.

والسبب الثاني أنه يريد تعظيم الفاتورة التي يرغب في الحصول عليها من دول الخليج، ما دام قد حرك الطائرات وحشد القاذفات، دفاعًا عنها في مواجهة تهديدات إيران.

والثالث أن عنده فيما يبدو مشكلة مع كل شيء قام به أوباما، ويريد القول بأنه تعامل مع ملف إيران بأفضل مما تعامل الرئيس السابق!

وهناك أسباب أخرى بالتأكيد.

إعلان

إعلان

إعلان