• يا مولاي كما خلقتني..!

    د. أحمد عمر

    يا مولاي كما خلقتني..!

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 07 أبريل 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    هذه دراما تختلط فيها التراجيديا بالكوميديا، لتصبح أحيانًا كوميديا سوداء تُثير فينا الضحك الممزوج بالبكاء على حال مصر وتحولات وتشوهات مجتمعها وناسها في زمن الانفتاح الاستهلاكي أو زمن "الانفتاح السدح مداح" كما أطلق عليه الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

    وقد أدت تلك التحولات التي ندفع ثمنها لليوم، إلى تكوين طبقة من "القطط السمان" أو "المماليك الجدد" تسللوا إلى موقع السلطة، وسيطروا على مقاليد الأمور في مصر، وتاجروا في كل شيء من البيض والفراخ حتى إنتاج الأفلام السينمائية.

    كما أدت أيضًا إلى صعود تلك الطبقة الطفيلية إلى أعلى سلم الهرم الاجتماعي في مصر، والسيطرة على اقتصادها، لتبتلع خيراتها وثروات شعبها.

    وبطل هذه الدراما هو "الدكتور نظمي" ابن الطبقة الوسطى المصرية، والأستاذ الجامعي في الطب النفسي الذي تخرج بامتياز في كلية الطب، وعمل بجد حتى أصبح أشهر الأطباء النفسيين في مصر، وصارت عيادته أهم العيادات النفسية في البلد، والذي تزوج من امرأة جميلة، هي "محاسن هانم"، التي أنجبت له خمس بنات في قمة الجمال والرقي.

    وقد بدأت مأساة الدكتور نظمي، حينما جاءته زوجته البريئة، لتطلب منه الطلاق بعد ثلاثين عامًا من الزواج، لكي تتزوج من أحد المماليك الجدد، وهو تاجر انفتاحي اسمه "الدكش" يمتلك بوتيكات في شارع الشواربي وبورسعيد، ويمتلك ما لا يمكن حصره من شقق وعمارات في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن.

    وقد وقعت "محاسن هانم" في قبضة "الدكش" بعد أن ذهبت هي وبناتها إلى شارع الشورابي لشراء ما يحتجن إليه من ملابس وإكسسوارات، وهناك رآها، وقرر أن يغويها، ويحصل عليها، كما تعود أن يحصل على كل شيء بأمواله الكثيرة.

    والمفارقة المحزنة أن "محاسن هانم" استجابت لتلك الغواية، بدون تردد وبشجاعة نادرة، وقالت: "كفاية ثلاثين سنة زواج من هذا الرجل، ومرحبًا بسنوات زواج جديدة من ذلك الرجل".. فماذا يمكن للدكتور نظمي أن يقدم لها والدكش يأتي لها بلبن العصفور؟!

    ولهذا يتم الطلاق بسرعة، وتتزوج "محاسن هانم" من "الدكش"، وتأخذ بناتها معها إلى حياتها الجديدة، ليتحول "الدكتور نظمي" إلى مريض نفسي، ويتم حجزه بالمستشفى، ثم يعتكف بالأيام في بيته، ليفقد اهتمامه بالعيادة والمرضى، ويبدأ في تعاطي كل الممنوعات التي كان يُحرمها على مرضاه، هروبًا من مرارة الهزيمة النفسية والاجتماعية التي تجرعها أمام "الدكش"، الذي سلبه أعز ما يملك: الزوجة والأولاد، حتى أصبح يا مولاي كما خلقتني! بلا أسرة ولا بيت ولا أهل ولا عمل.

    حتى إن موت "الدكش" بعد أن أصيب بالسرطان في المسالك البولية لم ينجح في مسح آثار تلك الهزيمة، وتلافي آثار الخراب الذي صنعه هو وأمثاله في المجتمع والبيوت والنفوس، ولهذا يقول الدكتور نظمي: "سيّان أن تبقى أو تموت يا دكش، بقايا قلاعك في كل مكان.. مات العشرات من المماليك، ولكنهم كانوا قد خربوا آلاف الديار، ومحاسن أصبحت منهم، وانتهى الأمر. انسكب اللبن وأنتِ يا محاسن تركتِني، واخترتِ ذلك الإنسان، وستظلين نفس الإنسانة التي هجرتني، حتى لو مات الدكش".

    وبهذا تكتمل مأساة "الدكتور نظمي" ومأساة زوجته وبناته، ومأساة المجتمع المصري في زمن الانفتاح الاستهلاكي الذي شهدته مصر في سبعينيات القرن العشرين، والذي لا نزال لليوم نُعاني من آثاره السلبية على الشخصية والثقافة المصرية، وقد رسمها لنا بتوفيق كبير الأديب الراحل "عبدالفتاح رزق" في روايته "يا مولاي كما خلقتني" الصادرة ضمن سلسلة "روايات الهلال" في أكتوبر 1989.

    وأظن أننا نحتاج الآن، في ظل ما يتردد عن ضرورة إعادة بناء الإنسان المصري، للعودة لقراءة ودراسة تلك الرواية المهمة، لفهم جذور ما نحن فيه من تردٍ عام، وتشرذم مجتمعي، وتشوه فكري وأخلاقي، وتغليب للمصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وخاصة أن "الدكش وأبناءه" وغيرهما من جحافل المماليك الجدد، لا يزالون فاعلين ومؤثرين في مجتمعنا لليوم، ويحاولون صب فكرهم الرفيع وقيمهم في عقول ونفوس المصريين.

    إعلان

    إعلان

    إعلان