عن المجلات الثقافية مرة أخرى وليست أخيرة

محمود الورداني

عن المجلات الثقافية مرة أخرى وليست أخيرة

محمود الورداني
09:00 م الخميس 18 أبريل 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كنت قد كتبتُ هنا من قبل عن أهمية المجلات الثقافية، بل واعتبرتها ضرورة قومية. وليس بخافٍ أن بلدا كمصر لم تعد تصدر مجلة ثقافية أو أدبية منتظمة الصدور وتتمتع بمستوى يليق ببلادنا، وهو أمر يصل إلى مرتبة الفضيحة، خصوصا أننا أصحاب تجربة عريضة، بل وكنا أسبق تلك التجارب على المستوى العربي.

لا أريد أن أكرر ما هو معروف وثابت من أننا كنا سباقين، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أصدرنا عددا كبيرا من المجلات الثقافية التي لعبت دورا خطيرا في الحياة الأدبية، أثرّت بطبيعة الحال على الشأن السياسي والاجتماعي.

وعلى مدى العقود الممتدة طوال النصف الأول من القرن العشرين وحتى كارثة تأميم الصحافة في أوائل ستينيات القرن المنصرم، واصلت المجلات دورها وحققت رواجا ثقافيا، وبشّرت بالحركات الأدبية الجديدة ودافعت عن الحرية والعدل، وأرست قيما راسخة فيما يتعلق بالنشر وحق الاختلاف.

الأمر الأكثر أهمية أن المجلات الثقافية نجت إلى هذا الحد أو ذاك من تداعيات تأميم الصحافة بحكم عدم تورطها المباشر في السياسة. وعلى سبيل المثال وخلال عقد الستينيات من القرن الماضي كانت وزارة الثقافة تصدر شهريا مجلات مثل المجلة والفكر المعاصر والكاتب والمسرح والسينما والفنون الشعبية، فضلا عن مجلات أخرى كانت تصدرها مؤسسات صحفية مثل الهلال والطليعة، وكانت كلها منتظمة الصدور بلا أدنى تلكؤ كما يحدث هذه الأيام.

أما الأسماء التي كانت مسؤولة عن إصدار مثل تلك المجلات فهم قامات فكرية وأدبية شاهقة مثل يحي حقي وحسين فوزي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وأحمد عباس صالح ولطفي الخولي. لذلك كانت تلك المجلات نهرا يتدفق شهريا، يتابع ويتيح الفرصة لتتفتح الزهور من المواهب الجديدة. لذلك أيضا كان لدينا حركة أدبية ثرية وصراع وتنافس صحي بين الاتجاهات والتيارات الأدبية، وشهدنا معارك أدبية وفكرية طاحنة أسهمت فيما حدث من نهضة حقيقية وإنتاج أدبي وفكري تمثل في أعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحي حقي وحركة الشعر الحديث ومسرح الستينيات بكل ما حفل به من جدل وتجديد.

ربما كانت تلك المقدمة المبتسرة والسريعة جدا ضرورية لتوضح إلى أي مدى أثرّت المجلات الثقافية في حياتنا الأدبية والفكرية عموما، على الرغم من طغيان الناصرية وتداعياتها، وظلت بمنأى عن التورط المباشر في الشأن السياسي واحتفظت بما يشبه الاستقلال النسبي، مما مكّنها من ممارسة دورها الذي امتدت آثاره لعقود طويلة.

أما الآن فنحن في وضع بائس حقا يحتاج إلى وقفة ضرورية ربما تكون مناسبة لاستعادة هذا الدور، ولإلقاء حجر في الركود الذي نعاني منه. بطبيعة الحال ليست هذه مسؤولية الدولة وحدها ممثلة في وزارة الثقافة، بل هي مسؤولياتنا جميعا، وقد حان الوقت الذي يتعين فيه على المثقفين أن يقوموا بدورهم في إصدار مجلات مستقلة.

سوف أعود بالتأكيد لمناقشة هذه القضية الجديرة بالحوار حولها واستكشاف السُبل الجديدة التي تمكننا من استعادة المجلات.

إعلان

إعلان

إعلان