القاهرة .. ذاكرة المكان عند سيف الرحبي

د. هشام عطية عبد المقصود

القاهرة .. ذاكرة المكان عند سيف الرحبي

د. هشام عطية عبد المقصود
09:00 م الجمعة 15 مارس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

القاهرة، المدينة التي مضت عبر القرون تؤرخ لصروف الزمان وتدون سيرة أعمارنا، وحيث "هنا القاهرة" لم تكن أبدا مجرد جملة عابرة انطلقت ذات يوم بعيدًا من أثير الراديو، بل تحية فذة لكل يوم تبقى فيه القاهرة نابضة بناسها وحياتها، متعة وألمًا، بهجة وحزنًا، وكما الحياة تدور فيظهر شيء ويبقي شيء، لكنهما معا وجها الحياة كما تحفظه في روحها تلك المدن العظيمة.
القاهرة، المكان والزمان والناس، والتي يشير إليها سكان عموم جغرافية البلاد في أقاليمه المختلفة بالاسم الجامع "مصر"، حاملة سمات وروائح وشكل وبهاء كل عموم الوطن، يقدمها لنا الشاعر العُماني الكبير سيف الرحبي عبر تجربة تأمل ومعايشة في نصوص بديعة، تؤسس لها مرجعيًا تجربة حياة في أيام الصبا امتدت ثمانية أعوام في سبعينيات القرن الماضي، تعلمًا وثقافةً ورحابةً، تمنحها طزاجة الرؤية فرادتها ومحبتها وتنثر عطرها آخاذًا فذًا.
ولا ينتمي محتوى الكتاب بحال لمفهوم السير الذاتية عن القاهرة، ولا هو بشكل ما تأريخا لتلك الأيام هنا، بل هو ينطلق أحيانا من المكان حاضرا ليستدعي تاريخ ما عرف محشودًا برؤى المرحلة والسن والأحلام أيضا، كما قد تكون القاهرة المكان والمدينة في بعض نصوصه حاضرة تقاطعا أو استدعاء، هذا أيضا إضافة إلي عدد من النصوص التي تحضر فيها مركزًا للنص، ارتباطا بخصوصية الكتاب، وحيث يصف الرحبي تجربة الكتاب ومحتواه "وكان اقتراح الجمع في كتاب قد راق لي لما يمارسه المكان القاهري من سلطة عاطفية لم تنضب مع مرور الزمان العاصف"، كما يضيف أن "نصوصًا وكتاباتٍ لا تخضع للتسلسل الزمني فهناك نص كتب منذ خمسة أعوام يتقدم على آخر كتب منذ ما يربو على ثلاثين عامًا"، ويضم كتاب "القاهرة أو زمن البدايات" نصوصًا متنوعة، وقد صدر حديثا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.
والكتاب ليس سيرة حنين رومانتيكي للقاهرة بل يتضمن سياقات شتى وتحولات في النظر والرؤية والأثر، جميعها تنتظم على تجربة البدء الأولي أو أول الرحلة إلى القاهرة "هذه الخطوة التي قادتني أوائل السبعينيات من القرن الماضي إلى أماكن في تلك الفترة المبكرة كانت مغمورة بإشراق فريد، كانت جنة الحلم الأول من فرط حضورها في مخيلة طفل".
ومع مضي الوقت والعودة إليها مرات أخرى تنضج تجربة رؤية القاهرة، وتجمع بين الشاهد المتابع ولا تنفلت من المحب الذي يرى ويفسر ويبرر، فها هو يرى الزحام القاهري المعاصر في صيغتين متوازيتين، إحداهما تشكلها رؤية مجردة تسجيلية، خالية مما علق بالقلب "وكنا قبل يوم نقطع المسافة من الدقي إلي وسط البلد مشيا، الجو ملفع بسحب التلوث وما يشبه الدخان، صخب البشر والسيارات وما تبقى من عربات الحنطور يطبق علي المدينة بشكل قيامي"، لكنه وفي النص ذاته تغلب بصيرة المحب، فيتأمل عميقا ويفسر" لكن ثمة ما لا يؤثر كثيرًا في زحام الحياة القاهرية، في بلدات أخرى بعض هذا الزحام يكفي لتلف الأعصاب وتدميرها، ربما مشهد الحياة الذي يغري بالمرح والتأمل والانهماك، لطف خفي، لا أعرف تفسيره على نحو واضح"، وحيث هذا اللطف الخفي الذي يصفه الرحبي هو شغف الحنين، أثر التعمق في التفاصيل القاهرية إلي حد ملامسة الروح فتشف الرؤية مما علق بها من رتوش.
وتأتي عناوين نصوص الكتاب محتشدة بأسماء شخصيات وأماكن وأزمنة شكلت محورًا أو مجالاً لتداعيات الكتابة أو الاستدعاء، فمن "حديقة الميريلاند" إلي "سكة القطارات في بولاق"، ومن "سينما سنفكس" إلى "بحر الإسكندرية"، كما تتواجد الشخصيات التي مثلت جسرًا للمعرفة والصحبة والحوار في القاهرة في عناوين وموضوعات النصوص شاهدة علي تاريخ وأزمنة وأمكنة أيضا ومجالاً لها، مثل "غالب هلسا والقاهرة" و" سارتر ونجلاء فتحي" و" قاهرة علي قنديل" و" أمل دنقل من الصعيد الأعلى إلى غرفة 8".
كما يضم الكتاب نصوصًا شعرية حضرت فيها القاهرة مكانًا وزمانًا دونه إبداع سيف الرحبي، وكما في قصيدة "نجمة البدو الرحل أو القاهرة":
يطوف الهواء على الشرفات
حيث كنا نقرأ الكتب ولا نذهبُ
إلى المدرسة
لأن الشتاء فاجأنا هذا العام بضباب كثيف
وما بين " الدقي" ومقهى "ريش"
يرتجف قلب العاشق المأخوذ
على مدار الصدمة
تجلسين على الرصيف، تكتبين أيامك الملأي بالتوقعات.

إعلان

إعلان

إعلان