عن كمال رمزي الناقد والقصاص أتحدث

د. أمــل الجمل

عن كمال رمزي الناقد والقصاص أتحدث

د. أمل الجمل
09:02 م السبت 14 ديسمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


تكرر الموقف ذاته عدة مرات. أكون في حالة بحث عن مرجع فتقع عيني على أحد كتبه. أفتحه. أتوقع أن أجد صفحات مفيدة أُوظفها في دراستي. أصل للفهرس. أتجاوزه. أغرق في القراءة. أُصبح خارج حدود الزمان والمكان، لا أفيق إلا عندما يرن الهاتف أو جرس الباب، فأكتشف أنني ظللت واقفة على قدمي أمام رف المكتبة نحو ساعة، أو ما يزيد، وأنا أقرأ بمتعة كبيرة.
عن الناقد السينمائي الكبير والسارد القصصي العظيم الأستاذ كمال رمزي أتحدث. هو من دون شك أحد أساتذة النقد الذين وضعوا الأُسس المنهجية للنقد السينمائي المصري منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، ومن دون شك إنه أحد الكبار الذين استفدت - على المستوى الشخصي - من تحليلاتهم سواء أثناء عملي بالتليفزيون، أو خلال تجربتي النقدية ودراساتي في مجال السينما، فالاستشهاد بمراجعه ومقالاته دومًا مُتاح كأنه شاهد على عصر وحقبة وعمل إبداعي سواء اتفقت معه أو اختلفت.

لا تثق في أخلاق السارق
لكن، لماذا أحكي الآن عن كمال رمزي؟ لأنه قبل أيام عندما قام المخرج المصري القدير وسيد الأكشن في السينما المصرية سمير سيف بتغيير عنوانه فجأة، أصابني الخبر بغصة في القلب، كان لدي كتابه «أفلام الحركة.. تجربتي في السينما المصرية»، لكني كنت أريد أن أتعرف أكثر على سمير سيف الإنسان والفنان معاً.
لذلك، قررت أن أقرأ كتاب «سمير سيف وسحر الاختلاف» بتوقيع الرائع كمال رمزي فقضيت ساعات من المتعة والبهجة الحقيقية، لاحقاً اكتشفت أن عددًا ممن كتبوا عن سيف استعانوا بصفحات من كتاب رمزي دون أن يُشيروا إليه، وبعضهم كُتاب مشهورون، وهذه ليست المرة الأولي التي أكتشف فيها سرقة كتب ومجهود كمال رمزي.
ذلك أحد عيوب هذه المهنة، تماماً مثل قضية الاقتباس في السينما المصرية. علينا أن نربي نفوسنا على احترام جهد الآخر، والاعتراف به. لأن سرقة أفكار وبحوث ومقالات الآخرين دون الإشارة إليهم هو نوع من الانتهازية والسرقة والغش المفضوح إن آجلاً أو عاجلاً، وإن لم يكتشفه الجيل الحالي ستكتشفه الأجيال القادمة وستبصق على الفاعل، فمن يسرق جهد الآخرين لا تثق في أخلاقه أو آرائه، لأنه بمثابة لص متلوّن كالحرباء.

منهج كمال رمزي
يتميز أسلوب كمال رمزي بأن يتحدث عن جوهر الأشياء وقيمتها الحقيقية، بأسلوب بسيط سلس بعيداً عن التنظير المعقد، مما يجعلنا قريبين من العمل الفني ومنه هو شخصياً، حتى الجمهور العادي يستطيع أن يفهم تحليله النقدي بيُسر كبير، وهذا مرجعه الأساسي ثقافته المتنوعة العميقة، وثقته بنفسه - رغم تواضعه الشديد - فهو لا يهتم بطرح الأفكار بأسلوب معقد كما يفعل البعض. كما أنه لا يأخذنا إلي توافه الأمور والأشياء السطحية التي تُغيب العقل وتسحبه عن القضايا الحقيقية والفكر العميق فلا يُجاري الزيف والسطحية. مع ذلك فهو إنسان مرح، لديه روح سخرية ظريفة، وأسلوب أدائي بديع قادر على أن يجذب اهتمام المستمع، ويجعلنا نتساءل: لماذا لم يخض تجربة التمثيل؟!

إنه ناقد عيونه لا تغفل ولا تنام، ترصد بعين الفنان، تتأمل التفاصيل، تنقب في الأعماق، تُحلل مستخدمة أكثر من منهج أحياناً، في مقدمتها الاجتماعي والنفسي وهو أمر جعله شديد التميز ليس فقط بين أبناء جيله، لكن حتى الآن، لم يُوجد من جيل الشباب أحد يُسايره - أو ينافسه - بنفس الدأب والاستمرار في توظيف منهجه في التحليل، رغم محاولات البعض، خصوصاً في تحليل أداء الممثل. إنها نقطة تفرد بها دون غيره في مسيرة النقد السينمائي المصري.
كمال رمزي أقرب إلى كتاب القصة القصيرة. بل هو كاتب قصة قصيرة من الطراز الأول. ليس فقط لأنه مارس بالفعل الكتابة القصصية في بداية حياته، ولكن أيضاً لأن كثيرًا مما يكتبه من دراسات ونقد إذا قيّمناه من الناحية السردية والأسلوبية سنجده يندرج تحت تصنيف القصة القصيرة في رأيي.

دهشة
في كتاب «كمال رمزي.. أرض النقد الواسعة» - وهو مجموعة حوارات عميقة وثرية وكاشفة أجراها معه الصحفي والناقد وائل عبد الفتاح - أعدت اكتشاف هذا الجانب المهم من أسلوب كمال رمزي. إنه قصاص من الدرجة الأولى. هذا الإحساس يتأكد لدينا عندما نُراجع مقالاته، ودراساته السينمائية. ولن يكون الأمر محيراً عندما نعلم أنه كان قريباً من الأديب يحيي حقي الذي أرشده إلى أمور فنية ولغوية استوعبها رمزي ودَرَّب نفسه عليها.
إنه أثناء سرد قصصه وحكايته - سواء في مقالاته عن شخصيات عامة، أو شخصيات سينمائية، أو حتى شخصيات من الأعمال الفنية - يعتمد على التحليل النفسي الاجتماعي. إنهما المفتاح إلى الغوص في العمل السينمائي. من هذا المنطلق ينبع أيضاً أسلوبه النقدي، سواء تحليل خيوط العمل الدرامي وشخصياته، وحتى أثناء قيامه برسم بورتريهات النجوم والنجمات كان يستند في الأساس على ذلك المنهج في التحليل.
لذلك أثناء تحليله لظاهرة سينمائية ما ستجده لن يغفل الظروف والملابسات المحيطة، يبحث في المقدمات، في الأعماق، فالنقد الاجتماعي عنده يمتد للجذور، يضع نفسه مكان الشخصيات قبل أن يُصدر أحكاماً بالإدانة، يُقيم النتائج التي وصلت إليها الشخصية، يبحث عن المضامين التي تقود للتغيير.
يمتلك كمال رمزي دأب وصبر ومهارة القناص في تشريح النفس الإنسانية. يعمد إلى توظيف المنهج الوصفي كمدخل لتفكيك العمل الفيلمي ومن ثم يُحلله اجتماعياً أو سياسياً، أو ربما يُفضل أن يُسمي منهجه بالأيديولوجي. يلجأ للسخرية، للألفاظ القوية المتهكمة أحياناً، والمعبرة عن الغضب أحياناً أخرى.
أثناء تحليله للعمل السينمائي يضع يده على الأسباب الحقيقية الفكرية وراء ضعف البناء الدرامي، وتركيب الشخصيات. لا يتجاهل التفاصيل، يهتم بها بنفس دقة وشغف الكاتب القصصي المحترف المعجون بالإنسانية، يرى أن التفاصيل تكون أحياناً هى السبب في توهج روح العمل أو انطفائه، كما فعل في تحليله لفيلم «الشحات» بالمقارنة مع الرواية.

معياره الأهم
إن كمال رمزي - وفق تصريحه لي أثناء حوارنا - يتخذ معيارًا فكرياً مهمًا كأساس للتقييم الفني، ربما يختلف معه آخرون، لكني شخصياً أنحاز لهذا المعيار في تحديد قيمة العمل: «هل الفيلم يُضعفني أم يُقويني؟»، فهذا المعيار متسق تماماً مع إيمان رمزي بالدور الذي يمكن للسينما أن تقوم به في بناء الانسان.

عندما سألته أكثر من مرة أثناء حواري معه عن مشروعه النقدي: متى خطط له؟ وماذا كان يتوقع له؟ فكان دوماً يجيبني: «مشروعي النقدي؟ لم يكن لدي مشروع.. لم أفعل، ولم أُخطط له.. فقط كنت بأكتب للحيطة…» جملها قالها ورنت ضحكته المبهجة المجلجلة والمميزة جدا عاليا في جنبات غرفة المكتب، قبل أن يوضح لي أنه كان يكتب لكل مكان يمكن أن يكتب له، ويُراسله، فقد كان لا يكف عن الكتابة.
تلك الجملة جعلتني أستعيد علامة دهشة واستغراب كان هو صاحبها أثناء حواره مع عبد الفتاح عندما تحدث عن زملاء الدراسة الذين كانوا أكثر تميزاً وثقافة منه على حد وصفه، لكنهم اختفوا؟

دهشته هذه استوقفتني، فقد شعرت وكأنه ينتبه للأمر للمرة الأولى، للمشوار الذي قطعه، والبناء الضخم الشاهق الذي أرسى قواعده الراسخة وشيّد جدرانه العالية، رغم أنه كان متعثرًا دراسياً، لكن هذا يقول شيئًا واحدًا بالغ الدلالة: إن كمال رمزي أخذ حياته مأخذ الجد، لم يتوقف لحظة عن التفكير في عمله ومهنته. إنه أصاب في اختياراته. إن الموهبة ليست كل شيء. إن الإنسان يصنع موهبته بنفسه بدأبه وإخلاصه وعشقه لعمله.

إعلان

إعلان