• "ضُحى" أسطورة التناقضات الإنسانية

    د. أحمد عمر

    "ضُحى" أسطورة التناقضات الإنسانية

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 27 أكتوبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    نادرة هي الشخصيات الأدبية التي يمتد حضورها الإنساني خارج أفق النص الروائي، لتصبح شخصيات واقعية من لحم ودم، تحبها وتهتم بمصيرها، تحس بوجودها، تتكلم معها وتحاورها، تحزن لحزنها، تفرح لفرحها، وتحاول فهم ضعفها الإنساني وتناقضاتها، ولحظات انكسارها وجموحها وتمردها، لتتعاطف معها وتستمر في حبها أو تُدينها وتبعد عنها محاولًا نسيانها أو كُرهها.

    و"ضُحى" بطلة رواية "قالت ضُحى" للأستاذ بهاء طاهر الصادرة عام 1985، إحدى تلك الشخصيات الأدبية؛ فهي امرأة بوجوه متعددة، يقول عنها حبيبها الراوي: "تُحيرني عيناها، فيهما نظرة هادئة تكاد تكون بليدة، حين ترتخي فوق الأهداب الطويلة السوداء، يرتسم فيهما ذلك الغياب والاستسلام. ولكن حين تنظر مباشرة في وجه من تُحدثه تتقد العينان، ويلمع فيهما بريق خاطف، تظهر ضحى أخرى، ضحى أجمل بكثير".

    ويقول عنها أيضًا: "نعم يا ضحى ها أنا أتنور بحبك، وأنت في داخلي ومعي، ولكنك حين تبعدين أخاف. فمن أنت؟ من أنت؟ أي الوجوه أنت؟".

    و"ضُحى" أسطورة للتناقضات والتحولات الإنسانية الداخلية والخارجية؛ فهي الفتاة الجميلة المثقفة، بنت الطبقة الأرستقراطية في الحقبة الليبرالية المصرية التي قضت ثورة يوليو 1952 على نفوذها ومكتسباتها، لكنها تتعاطف مع أهداف الثورة بداية، وتعمل مع نظام ثورة يوليو، ثم تستغله لاحقًا لتحقيق أهدافها الخاصة.

    وهي تعيش مع زوجها "شكري" الذي كان يملك عند زواجه بها قبل ثورة يوليو الشباب والثروة والمجد الوظيفي، لكن فقد كل شيء بعد الثورة، وبدأ يُقامر ليعوض خسارته، ليفقد بالقمار كل ما يملك، بما فيه وظيفته ومروءته ورجولته، ليتحول إلى مستثمر في جمال زوجته ووظيفتها وعلاقاتها.

    وفي الوقت ذاته تبادل ضِحى زميلها "الراوي" الذي يحكي قصتها، الحب والجنس، فتجعله يغرم بها إلى درجة الجنون والعبادة، حتى يرى فيها "الربة إيزيس" في الأسطورة المصرية القديمة، إيزيس التي جمعت أجزاء جسد زوجها "أوزيريس" الممزقة، وأعادته إلى الحياة من جديد، فيقول عنها:

    "قالت إيزيس تعال.

    قالت ضحى تعال.

    ومسحت بيدها على شعري، وقَبلت رأسي طويلًا ثم قالت بصوت خافت: لا تبتئس، سأجمع أشلاءك من جديد، وستكتمل".

    ولكن في اللحظة التي يكتمل بها ومعها، حتى إنه يطلب الزواج منها بعد ترك زوجها، تُقصيه فجأة بعيدًا عنها بلا سبب، وتعامله بحيادٍ قاسٍ كاد يصل به إلى الجنون، وتستمر في العيش مع زوجها الذي لا تحترمه، ولا تراه رجلها على الإطلاق.

    ثم تتحول" ضُحى" الأرستقراطية الراقية إلى إنسان على النقيض تمامًا من شخصيتها المثقفة الحالمة، بعد انتقالها للعمل مديرة لمكتب الفاسد "سلطان بك" وكيل أول إحدى الوزارات، حيث تغرق بالكامل في مظاهر الفساد الوظيفي.

    وفي الوقت ذاته، يتابع حبيبها السابق تحولاتها من بعيد، وتصله أخبارها فيشعر بالغضب والحيرة، ويقول: "كنت أستمع إلى حديثهم عنك، وعن أعمالك في ذلك المكتب الجديد بشيء من اللامبالاة، وربما بشيء من التشفي. وأقول: حسن أنها تسقط إلى هذا الحد. لم تكن طيبة في أي يوم. لم تكن إيزيس في أي وقت. أحببتها يومًا، وكما يفعل أي محب تصورت أنها أفضل بكثير مما هي في الحقيقة. رفعتها فوق غيرها من النساء، وهي لا تفضلهن في شيء. تصورتها عالية مجللة بالأفكار والأشعار، عبقة بالزهر والسحر، وها هي أدنى حتى من الأُخريات".

    ومع ذلك يفشل في نسيانها والشفاء من حبها عبر الاستغراق في الحياة والناس وكل امرأة غيرها، ويستمر في طرح الأسئلة التي تمزق روحه:

    لماذا يا ضُحى؟

    لماذا كانت السرقة؟

    ولماذا كان وكر القمار والفساد؟

    ولماذا تركتِني فجأة؟

    ولماذا رفضتِ أن نتزوج؟

    وبالطبع فهو لم يحصل على إجابة تريحه، وظل أسيرًا لعشقها، لأنها امرأة فريدة غير قابلة للنسيان، وتناقضاتها الإنسانية ميراث روحها وسياقها وتكوينه. وهي في حضورها الدنيوي الأسطوري تحمل بداخلها أرواحًا ورغباتٍ لنساء كثيرات، كما أنها تُجسد - كما تقول- الحضور الجديد للربة المصرية إيزيس، والربة لا تُسأل متى، ولا تُسأل لماذا..!

    إعلان

    إعلان

    إعلان