•  الواحات وسكانها في مذكرات أحمد أمين

    د. أحمد عمر

    الواحات وسكانها في مذكرات أحمد أمين

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأربعاء 16 أكتوبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "إن الحكومة قد جعلت من بين عقوباتها نقل الموظف الذي أساء السير والسلوك إلى الواحات، فكأن سكان تلك البلاد قد حُكم عليهم ألا يروا موظفًا صالحًا".

    هذا هو رأي المؤرخ والأديب الأستاذ أحمد أمين (1886 – 1954) في موظفي الحكومة الذين رآهم يعملون بالواحات (محافظة الوادي الجديد حاليا)، والذين أُبتلي بهم سكانها دائمًا.

    ولهذا كان أحمد أمين يكره التواجد معهم، ويستعيذ بالله منهم لعدم صلاحهم، ولصراعهم المتواصل فيما بينهم، ولحبهم النميمة، ولذكرهم الغائبين بالسوء في سيرتهم وبيوتهم.

    وقد أورد أحمد أمين تلك الملاحظات في مذكراته التي حملت عنوان "حياتي"، التي دون بها يومياته عام 1913 عندما ذهب للعمل قاضيًا شرعيًا في الواحات، وأقام بها لمدة ثلاثة شهور، قضاها في دراسة المكان وفهم طبيعته وسماته وحياة الناس فيه.

    وهذه اليوميات تتضمن ملاحظات ومعلومات قيمة عن الواحات وناسها، وعاداتها وتقاليدها، وطريق الوصول من أسيوط إليها، وهي ملاحظات جديرة اليوم بالتوقف عندها والتأمل فيها، ومحاولة الربط بين ماضي الواحات وحاضرها، واستشراف مستقبلها.

    السفر إلى الواحات:

    يروي أحمد أمين أنه يعد يومين قضاهما في أسيوط، قادمًا من القاهرة، ركب قطار الصعيد في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، متجهًا إلى المنطقة التي سيأخذ منها قطار "الواحات"، والذي استقله متجهًا إلى "واحة الخارجة" في الساعة السابعة صباحًا.

    وقد سار به القطار سيرًا بطيئًا في صحراء متسعة الأرجاء، لم يُشاهد فيها إلا أرضًا منبسطة كلها رمال، وهضاب مرتفعة. وقد استمر القطار في السير بهم على هذه الحال، حتى وصل إلى "بلدة المحاريق" التي كان يُقيم بها "المنفيون" على مشارف "واحة الخارجة" في الساعة الثالثة عصرًا، ثم وصل القطار إلى "واحة الخارجة" ذاتها في الساعة الربعة عصرًا.

    الإنجليز في واحة الخارجة:

    عند وصوله إلى "واحة الخارجة" وجد أحمد أمين أمرًا غريبًا أثار تفكيره؛ فقد رأى مقراً لشركة إنجليزية أُنشئت هناك لاستغلال أرض الواحات. ورأى أمامها رجلين إنجليزيين يقفان في الشمس ويُشرفان على العمال.

    وقد حفزه هذا المشهد على المقارنة بين حالهم وحاله، ومخاطبة ذاته بقوله: "أيأتون من إنجلترا الباردة إلى الواحات الحارقة، طمعًا في الكسب وأملًا في النجاح، ويعيشون عيشة فرحة مستبشرة. وتأتي أنت من بلدة في مصر إلى بلدة أخرى في مصر، ليس بينهم أقل من يوم وتبكي؟! وهنا خجلت من نفسي، وتبين لي سبب من أسباب نجاحهم وإخفاقنا، وغناهم وفقرنا".

    وفي موضع لاحق من المذكرات، يتحدث أحمد أمين عن رؤيته لأوروبي آخر في "واحة الخارجة"، وقد علم من مرافقيه أنه يأتي كل عام إليها للتجارة في نوع من النبات اسمه "السكران" ينبت حول "واحة الخارجة" وفي بعض جبالها.

    وهذا الأوربي يجمعه من الناس، ويدفع في القنطار عشرين قرشًا، ثم يُصدره إلى الخارج بأسعار خيالية لاستعماله في صناعة دواء للربو. وهو بهذا يستغفلنا، ويجعلنا نرضى منه بالربح القليل، ويربح هو ثروة طائلة تجعله يعيش في القصور الفخمة.

    الإقامة في الواحة:

    بعد يومين قضاهما أحمد أمين ضيفًا في بيت معاون الإدارة بواحة الخارجة، استأجر بيتًا أجره ثمانون قرشًا شهريًا، وهو بيت مبني من الطوب النيئ ومسقوف بجذوع النخل وعارٍ تمامًا من كل مظاهر المدنية والحضارة.

    وهنا يروى أحمد أمين حادثًا طريفًا ذا دلالة على صرامته ونزاهته الشخصية، وطبيعة العلاقات في الواحة؛ فما كاد يطمئن في بيته حتى دق الباب ليجد شخصًا يقول له إنه شقيق مأذون واحة الخارجة، وقد بعثه إليه بهدية عبارة عن صفيحتين بالأولى قطعة لحم نيئ، وبالثانية أرز غير مطبوخ.

    وقد اعتذر بلطف عن عدم قبول الهدية. فلما ألح عليه الرجل اضطر أن يرفض بعنف.

    وبعد ساعتين على ذهاب شقيق المأذون بهديته دق الباب مرة أخرى، ووجد من يقول له إنه خادم العمدة، وقد أرسله إليه بطبق بعشر برتقالات في غير موسم البرتقال، فاعتذر الدكتور أحمد أمين عن قبولها أيضًا.

    سكان الواحات وعددهم:

    أورد أحمد أمين في مذكراته حصرًا بعدد سكان الواحات، وأهم القرى فيها، ووصفًا لبيوت سكانها وطرقها، وما يزرعونه ويتكسبون منه، ووصفا للعيون والمجاري المائية فيها، فقال: "إن عدد سكان الواحات كلها، هو (8383) نفسًا. أكبر عدد منهم يقيم بـ"واحة الخارجة " ويزيد على (5000) نفسٍ، ثم واحة "باريس" ويسكنها حولي (1000) نفسٍ وبضع مئات. ثم واحة "بولاق" وهي تزيد على (1000) نفسٍ. ثم واحة "جناح" وهي تزيد على (400) نفس.

    وقال إن مصدر رزق معظم السكان هو النخيل في موسم البلح، ولكنهم يزرعون أيضًا مع النخيل القمح والشعير والأرز والفول السوداني والمشمش البرتقال والبطيخ.

    وأهل الواحات في ذلك الزمان مسلمون فقط، ويتحدثون لغة عربية فصيحة وجميلة، وبخاصة في "واحة باريس التي وجد في أهلها كرماً عربيًا أصيلًا. ووجد عندهم بعض العادات الغريبة في تأبين الموتى؛ فإذا مات منهم كبير، لبست النساء أحسن لباس عندهن. وإذا كان لديه سيف أو بندقية أمسكته زوجته أو ابنته أو قريبته بيدها، ووقفت تندب الميت.

    أما البيوت التي يعيش فيها أهل الواحة، فهي فقيرة حقيرة كأغلب بيوت الريف المصري. ومبنية بالطوب النيئ، ومسقوفة بجذوع وجريد النخل. وبعض شوارعها مسقوفة، وسقفها منخفض جدًا، حتى يضطر السائرون فيها إلى الانحناء بما يشبه الركوع. وإذا مروا فيها ليلًا حملوا معهم أعوادًا من الخشب، ليشعلوها اهتداءً بها، واتقاءً للعقارب.

    ومن الأشياء الطريفة التي أوردها أحمد أمين في مذكراته عن الواحات، أن "مهنة السقاية" فيها كانت حكرًا على العميان فقط. وأنهم يسيرون جماعات وعلى ظهورهم القرب، يحملونها من العيون إلى البيوت. وأنهم يأتون بالماء من عيون تنبع من الأرض، وبعض تلك العيون طبيعي، وبعضها الآخر مصنوع. وبعضها كبير وبعضها صغير. وبعضها قد بُذل حديثًا جهدًا في حفره، وبعضها من بقايا عهد الرومان.

    التعليم في الواحة:

    في محاولة للتعرف على نظام التعليم في الواحة، ذهب القاضي الشاب أحمد أمين لـ" كُتَّاب الواحة "، لكي يتعرف على أسلوب التعليم فيه، فوجده عبارة عن حجرة أسطوانية الشكل، بنيت على صخرة مرتفعة، وليس بها منفذ واحد للضوء غير بابها. وقد كُسيت الأرضية بطين جاف، مفروش ببعض الحُصر في أطراف الحجرة يجلس عليه الأطفال.

    أما أدوات التعليم فقد كانت عبارة عن ألواح من الصفيح طليت بالطفلة، وهم يطلونها كلما مسحوا اللوح وجددوا الكتابة.

    الخطاب الديني في الواحة:

    في أول صلاة جمعة أداها أحمد أمين بواحة الخارجة أثار غضبه وتعجبه انفصال خطيب الجمعة عن الواقع الذي يعيش أهل الواحة فيه؛ بعد أن حث المصلين في الخطبة على الزهد، وحذرهم من السفر إلى أوربا لقضاء الصيف. وكان سبب غضبه وتعجبه أن أهل الواحات زهاد بطبعهم، ولا يجدون ما يأكلون إلا بعد مشقة وعناء. وهم ما سمعوا قط عن أوروبا إلا من هذا الخطيب، ولا حدثتهم أنفسهم حتى ولو بالسفر إلى الصعيد.

    تلك هي أبرز النقاط التي أوردها الراحل أحمد أمين في مذكراته عن الواحات، بعد أن عمل بها قاضيًا شرعيا لمدة ثلاثة شهور عام 1913، قبل أن يتم نقله للعمل مدرساً بمدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة.

    وقد وقف فيها ببصيرة ووعي مميزين على أهم تفاصيل الحياة هناك، وأوجه النقص والقصور فيها، ثم وضع في عبارة موجزة الحل لكل مشكلات سكانها في ذلك الزمان – وأظنه لا يزال صالحا لليوم - عندما قال: "هم لا يصلحون إلا بإصلاح بيئتهم".

    إعلان

    إعلان