• خناقة في روسيا

    د. جمال عبد الجواد

    خناقة في روسيا

    د. جمال عبد الجواد
    09:00 م الجمعة 25 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ثورة 1919 هي أهم حدث سياسي في تاريخ مصر الحديث، وفي هذا العام تحل ذكراها المئوية. بدأت مقدمات الثورة في التشكل في العام 1918، واستمرت تفاعلاتها حتى صدر دستور 1923، أما آثارها فاستمرت لبعد ذلك بسنوات. ثورة 1919 غنية بالأحداث والمفارقات والبطولات، ولو قضينا العام الحالي كله في استرجاع دروسها لانتهى العام قبل أن نستكمل ما بدأناه.

    حدثت ثورة 1919 رغم أن الصحافة كانت مقيدة، ورغم أن المصريين كانوا محرومين من الحق في الاجتماع، لكن المجتمع كان قد نضج، وأصبح البلد جاهزا لثورته القومية.

    كانت مصر محكومة بالأحكام العرفية منذ فرضت بريطانيا حمايتها على مصر مع بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914، وبمتقضاها فرض الإنجليز الذين لا يملون من إعطاء شعوب العالم محاضرات في الديمقراطية والحريات رقابة صارمة على الصحف.

    في العام 1917 نشبت الثورة في روسيا، فسقطت حكومة القيصر حليف بريطانيا، وأعلنت الحكومة الروسية الجديدة نيتها الخروج من الحرب. كانت الثورة الروسية خبرا سيئا بالنسبة للبريطانيين، فهم يكرهون الثورة، ويتمنون لو أن روسيا تواصل الحرب إلى جانبهم.

    نقلت وكالات الأنباء أخبار الثورة الروسية، لكن الرقابة البريطانية منعت الصحف المصرية من نشر أي شيء يتعلق بهذا الموضوع؛ وفيما كانت الصحف الإنجليزية تتداول أخبار الثورة الروسية بحرية، قرأ المصريون في صحفهم خبرا يقول إنه "حدثت أمس خناقة في روسيا".
    هذه كانت طريقة الصحف في نشر أخبار الثورة الروسية، فما بالك بأخبار الثورة المصرية.
    انتهت الحرب العالمية الأولى في الحادي عشر من نوفمبر 1918، وبعدها بيومين قابل سعد زغلول وعبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي المندوب السامي البريطاني ليطلبوا السماح لهم بالسفر لعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر السلام المقرر عقده في باريس.
    رفض المندوب البريطاني الطلب، مستنكرا على الزعماء الثلاثة الحق في التحدث باسم مصر، مع أن الثلاثة كانوا أعضاء منتخبين في الجمعية التشريعية، التي كان سعد زغلول وكيلها المنتخب.
    في الأسابيع التالية تم ضم أعضاء جدد للوفد ليصبح أكثر تمثيلا للأمة المصرية، وتم جمع الآلاف من التوكيلات لتفويض الوفد للتحدث باسم الأمة.
    بعد شهرين بالضبط، في الثاني عشر من يناير 1919، دعا حمد الباسل باشا لاجتماع كبير في بيته للتباحث حول مصير الأمة، وفي هذا الاجتماع ألقى سعد زغلول أول خطاب سياسي عام في سلسلة خطبه التي صنعت ثورة 1919.
    في اليوم التالي نشر الأهرام خبرا عن هذا الاجتماع الحاشد جاء فيه "دعا أمس حمد الباسل باشا العضو في الجمعية التشريعية جماعة كبيرة من أعيان العاصمة والأقاليم إلى تناول الشاي في منزله بشارع الداخلية، فلبى دعوته نحو 159 ذاتا ووجيها وأديبا، وضرب في حديقة داره الواسعة سرادقا جميلا نسقت فيه الكراسي والمقاعد والأخونة على أجمل طراز، ثم قدمت الحلوى وأطايب المآكل للحاضرين مع الشاي والقهوة، فقضوا جميعا من الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة بأطيب الأحاديث، ثم انصرفوا رويدا رويدا وجماعات جماعات، وهم يتحدثون بفخامة هذا الاجتماع وبفضل الداعي وكرمه، وكان سعادته وشقيقه وآله يقابلون المدعوين بما فطروا عليه من اللطف والكرم العربي، ويمتعون أسماعهم مع أصدقائهم وصحبهم بما يشنفها، وتمنى الكل لو كثر مثل هذا الاجتماع الكبير".
    في التاسع من فبراير التالي، وتحت عنوان "في جمعية الاقتصاد والتشريع"، نشرت جريدة وادي النيل التي كانت تصدر في الإسكندرية الخبر التالي "ألقى المستر برسيفال المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية بعد ظهر الجمعة الماضية بقية محاضرته الخاصة بالتشريع المصري الجديد في جمعية الاقتصاد والتشريع وبعد أن انتهى من إلقائه وقف أحد السامعين وسط بعض ملاحظات ثم انفض الاجتماع".
    ما لم تكشفه الجريدة هو شخصية ذلك النفر الذي أشار إليه الخبر بأنه "أحد السامعين"، فقد كان المتحدث هو سعد باشا زغلول الذي ألقى في هذه المناسبة واحدًا من أهم خطاباته الثورية، وهي الخطبة التي ختمها بقوله "في سنة 1914 أعلنت إنجلترا حمايتها من تلقاء نفسها بدون أن تطلبها أو تقبلها الأمة المصرية، فهي حماية باطلة لا وجود لها قانونا، بل هي ضرورة من ضرورات الحرب تنتهي بنهايتها، ولا يمكن أن تعيش بعد الحرب دقيقة واحدة". بعد شهر واحد من ذلك الخطاب، وفي التاسع من مارس 1919، اشتعلت الثورة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان