• الخروج من مصر

    محمود الورداني

    الخروج من مصر

    محمود الورداني
    09:00 م الخميس 24 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    على نحو يختلف كل الاختلاف مع كل السير الذاتية التي يمكن أن يصادفها القارئ، جاءت سيرة الناقد والمفكر المصري الأمريكي إيهاب حسن (1925–2015) والتي ترجمها سيد إمام ونشرتها دار العين القاهرية أخيرًا.

    أما إيهاب حسن لمن لا يعرف، فيعتبره نقاد الأدب في العالم مؤسس تيار ما بعد الحداثة الأدبي، وأهم المنظرين لهذا التيار في العالم، وألّف عشرات الكتب ومئات المقالات، فضلاً عن عمله الأكاديمي كأستاذ للأدب والنقد في عدد كبير من الجامعات الأمريكية. ونحن في مصر لا نعرفه مطلقا إلا من خلال ترجمات محدودة لا تتيح للقارئ العادي أن يلمّ بالإنجاز الضخم الذي يقدّره العالم جيدا.

    من المثير للدهشة أن حسن الذي غادر مصر على ظهر السفينة إبراهام لينكولن، التي انطلقت من ميناء بورسعيد في أحد أيام أغسطس 1946 متوجهة إلى أمريكا، ومبعوثا من الحكومة المصرية لدراسة الهندسة، لم يفكر في العودة إلى مصر أو حتى زيارتها ورؤية والديه مطلقا حتى رحيله بعد أن بلغ عمره تسعين عاما، واكتفى فقط بإرسال ابنه الأمريكي مرة واحدة مع زوجته ليلتقي بالأسرة!
    وعلى الرغم من حصوله على الماجستير في الهندسة الكهربائية من إحدى الجامعات الأمريكية إلا أنه كما يصرح "لا أحب الهندسة، أنا أحب الأدب". وهكذا ترك الهندسة، ودرس الأدب الإنجليزي وحصل على الدكتوراه عام 1954 وانخرط في عمله الجديد الذي اختاره، وتناسى مصر تمامًا ولم يشعر بأي انتماء لها، بل وكما يصرح عندما يتحدث عن الجذور: "الجميع يتحدثون عن الجذور. لا شأن لي بهذه المسألة. هذا الأمر لا يعنيني في شيء".
    ربما يؤكد هذا أنه لم يشرع في كتابة سيرته الذاتية إلا بعد خمسة وثلاثين عامًا من خروجه، وبدأها أثناء إحدى إجازاته التي أمضاها مع زوجته في ميونيخ، ثم واصل كتابتها في مقر إقامته في مدينة ميلوكي في أمريكا.
    أيضا ربما يكون مفهومًا، وليس مبررًا أبدًا، أن نلم بجانب من نشأته منعزلاً ووحيدًا، ليس فقط بوصفه الابن الوحيد لأبوين بالغي الثراء والنفوذ، بل لأن الطبقة الأرستقراطية التي انتمت إليها عائلته كانت منفصلة تمامًا عن واقعها. عمه مثلا حافظ باشا حسن كان وزيرا للداخلية في إحدى حكومات الأقلية، ووالده كان مديرا لعدة مديريات وأمضى عمره يعيش في القصور التي تخصصها الحكومة لكبار موظفيها، بين خدم نوبيين ومربيات أوروبيات.
    كانت أول لغة تعلمها هي الفرنسية، ويمضي إجازاته في العزبة التي يملكها أبوه، ويغشى النوادي المخصصة للطبقة الأرستقراطية، وليس مسموحا له بالاختلاط إلا بمن يختارهم أبوه الفظ، وعندما التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية لم يتح له أيضا إلا الاختلاط بأبناء طبقته.
    من جانب آخر، تضم سيرته الذاتية أربعة أقسام هي بدايات ونهايات، انعزالات (1925-1941)، قرارات (1941–1946)، ممرات (1946-1985).. وربما تكون عناوين فصوله تشي بالطريقة التي اختار أن يكتب بها. لا يهمه أن يحكي حكاية واضحة أو تاريخية. يهمه فقط التأمل واستحضار ذكرياته المبهمة الغامضة، وليس استعادتها كنوع من أنواع الحنين للماضي. لا يهمه أيضا أن يتخذ مواقف أو حتى أن يكون له موقف، على الرغم من أنه يفرد لتاريخ مصر القديم والحديث حتى اغتيال السادات مكانًا رحبًا يكشف عن معرفته الوثيقة والدقيقة بالتفاصيل. نظرته ورؤيته ليست ناتجة عن جهل أبدًا، وكل ما في الأمر أن مسألة الجذور -كما صرح- لا تهمه مطلقًا.
    وفي النهاية، أظن أن حسن انخرط في حياته الجديدة بكل قوة، ليس من أجل تحقيق طموح أو مجدٍ شخصي أو حتى افتنانًا بأسلوب الحياة الأمريكية، حسبما تشي سيرته الذاتية، بل من أجل البحث المجرد والمنزه، وقد وصل بأبحاثه النظرية إلى أقصى ما يمكن أن يحققه مفكر كبير أضاف للفكر النقدي في العالم.

    إعلان

    إعلان

    إعلان