• "ليل خارجي".. طاقة أمل ورومانسية الواقعية

    د. أمل الجمل

    "ليل خارجي".. طاقة أمل ورومانسية الواقعية

    د. أمل الجمل
    09:00 م الأحد 13 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "إيه؟! صعب تتخيل نفسك واحدة ست، ولاَّ صعب تحط نفسك مكاني؟!" جملة تقولها "توتو" فتاة الليل - تقوم بدورها الفنانة منى هلا - للشاب "مو" أو المخرج السينمائي محمد الذي يلعب دوره الفنان كريم قاسم، ضمن "ليل خارجي" أحدث وأهم أفلام المخرج والمونتير أحمد عبدالله السيد، ومن إنتاج الجسورة هالة لطفي مخرجة "الخروج للنهار"، وبدعم من صندوق إنجاز بمهرجان دبي السينمائي الذي خسرت السينما العربية المستقلة الكثير بعد توقفه.

    لا يجد "مو" كلمات يرد بها على سؤال توتو أو تهاني. يصمت، مثلما فعل من قبل عندما صفعها السائق بقسوة أمام رواد المطعم الشعبي. تهاني تُدرك بفطرتها أنها ليست الوحيدة في هذا المجتمع التي تعاني القهر، تتحجر الدموع بالمقلتين. تدخل الحمام. تُعيد ضبط مكياجها -القناع- كأن شيئا لم يحدث.

    علي باب الحمام المفتوح يسقط القناع عندما يأتيها صوت التباع: "رمسيس.. رمسيس." كان يمكن لها أن تمشي. نعلم أنها لا تملك أي مليم، فهل يتعلق الأمر بالفلوس فقط؟! تنظر تهاني بتردد وحيرة بين الشارع وبين الاثنين الجالسين بالمطعم يفصل بينها وبينهما باب الحمام. في واحد من أجمل وأهم مشاهدها بالفيلم تبتلع إهاناتها. تُزيح الباب جانبا وتعود، لتُفتت أسوار النكد، وتُحيل الأمر إلى مرح وهزار و"قلش" على مَنْ صفعها. تماماً كما يفعل الشعب المصري.

    لاحقاً، عندما يسألها المخرج عن سبب التغاضي عن الإهانة تقول: "عارفة إن كل واحد بيطرش شوية القهر والإهانات اللي جواه في وشي، وباستحمل" فيسألها: وإيه اللي جابرك على كدا؟! فترد على السؤال بسؤال: يعني أنت كل يوم الصبح مفيش حاجتين ثلاثة كدا بتفوتهم وهمّ مش على هواك؟!

    وجوه الإنسانية

    سؤال توتو الذي يٌوَاجَه بصمت جديد من محمد، وبتفكير منا نحن المشاهدين. تفكير في ذواتنا، وتفكير في موقف المخرج محمد ذاته، خصوصا في مشاهده الأولى أثناء تصوير الإعلان عندما خضع لاستبدال الطفل بآخر لم يكن مقتنعا به. الإجابة الأهم تأتينا لاحقاً مرتين؛ الأولي في قسم الشرطة بمشهد رائع بكل تفاصيله وعلاماته الإشارية ورموزه الدلالية من أصغر عسكري وصولاً لقمة الهرم.

    المرة الثانية لانسحاق وخضوع "مو" التام نراه في الحارة، على يد البلطجي مُدَّعي الأخلاق والتدين عندما يناديه كأنه فتاة، أو امرأة فلا يحتج، وهي أقسى أنواع الإهانة التي تُوجه لرجل في مجتمع عربي. إن اختيار النموذجين مقصود، مدروس بدقة، لما له من دلالة رمزية يصعب الاستهانة بها، أو تجاهلها أبداً، مما يجعلنا نتساءل: هل حقاً "مو" هو الوجه الآخر لـ"توتو"؟! وأين موقع "جيمي" من الشخصيتين؟!

    لو تأملنا "مو" سنجده شخصاً هادئا، مسالماً، عقلانياً، لديه قدرة على كتم انفعالاته، وتلبية مطالب الآخرين فقط لينتهي من صداعهم، وليعود إلى نفسه وخياله السينمائي. هو أيضاً يبتلع الإهانة عندما يتعرض للقهر ممن هم أكبر منه، أو مِمَنْ يمتلكون النفوذ والسلطة، أو تحت تهديد السلاح. إنه الوجه الآخر لتهاني مع فوارق طفيفة. أساساً فوارق طبقية أهَّلَتْهُ ليكون خريج الجامعة الأمريكية، وفنان. لكنه، في النهاية إنسان مقهور، غير سعيد، انفصل عن حبيبته، يعيش فترة ضياع، غير قادر علي إنجاز فيلمه بعد أن تفرق عنه الجميع. لذلك، ربما في اللاوعي ترك -عن عمد- نفسه لصحبة السائق واستسلم له ليواصل الفُرجة على الآخرين وعوالمهم.

    أما الشخص الثالث فهو الشاب جيمي مروج الحشيش والمصور، هو نفس التركيبة النفسية للاثنين تقريباً، مع فارق - شكلي أساساً - لكنه متصالح مع نفسه. فعندما يحكي بمرح عن "القفا" الذي تلقاه في قسم الشرطة، وينتقدونه؛ لأنه ظهر وكأنه سعيد به يرد: "وما له قفا الحكومة طالما في النهاية بنعمل اللي إحنا عاوزينه، هو الليلة دي كلها مش قفا للحكومة؟!"

    إذًا، الثلاثة -جيمي، وتوتو ومو- ما هم إلا وجوه لعملة واحدة، عملة الإنسان عندما يُحاصره القهر. إنسان مطحون يُقاوم الانسحاق، كلٌ بوسيلتهِ، بشخصيته، إما بتغييب الوعي بالحشيش، أو الهروب للخيال لرسم شخصيات فيلم جديد، أو الغرق في الجنس كما تفعل توتو، لأنها حقيقة -في تقديري- ليست فتاة ليل عادية، يكفي أنها بعد سهرتها مع زبون مهم كان كل ما تملكه في كيس نقودها فقط خمسة جنيهات وراحت كملت السهرة مجاني مع جيمي. إن سلوك توتو، وما نلمحه من شخصيتها في لحظات عابرة يُعيد إلينا شعورًا ما، شديد الخصوصية، من رواية "المسيح يُصلب من جديد" للمبدع اليوناني الشهير "كازانتزاكس" عندما يقول على لسان الراوي أن: "مريم المجدلية حاولت أن تنسى المسيح بكل رجال الأرض لكنها لم تنجح." فهل تتذكرون ماذا كانت مهنة مريم المجدلية؟!

    الجانب السيكولوجي لمصطفى

    أما شخصية مصطفى سائق التاكسي فمختلفة بعض الشيء رغم أن القهر عنصر مشترك. مصطفى يُمثل الرجل الشعبي الذي يرسم لنفسه مكانة معينة، وهيبة في منطقته تعويضاً عن القهر الذي يتلقاه. إنه يحمل عواطف متناقضة تجاه توتو. مزيج من الحب -أو بالأحرى الرغبة- والكراهية لتوتو، فهو يشتهيها لكنه أيضاً يكرهها لسببين؛ لأنها انجذبت للشاب المخرج، وتجاوبت معه، فذلك سلوك جارح لذكورة مصطفى، وفحولته كرجل شعبي خصوصاً إنه في منطقته.

    أيضاً؛ لأنها -دون أن تقصد- تذكره بالجزء المختبئ في أعماقه والمناقض تماماً لحكاية الأخلاق والطهارة التي يدعيها، فهو لديه استعداد أن يفعل معها كما يفعل الآخرون رغم أنه يعلم أن ابن أخته قضى الليل معها في شقته.

    بينما ترجع أسباب حنقه وكراهيته لمحمد إلى؛ إحساسه بأنه من طبقة أرقى منه، مما يتيح له أن يأخذ كل شيء بحكم وضعه الاجتماعي والاقتصادي، لكن الأهم أنه "شقط" منه البنت الحلوة في لحظة، أن ذلك حدث في منطقته هو، مما يُضاعف من إحساسه بالدونية، وبقلة القيمة الإنسانية أو ضياع الهيبة على الأقل أمام نفسه، وهو ما جعل مصطفى يُصر على أن يصطحب الاثنين ليعزمهما في محل شعبي وعلى أن يدفع الحساب، على أن ينتهز أي فرصة ليصفع توتو وينفث عن غضبه؛ لأنها الشخص الأضعف، ثم ليستعرض خبراته وقدراته أمام محمد معلنا أنه: "هيوريه إزاي يعامل النساء بعد ضربهم، ويخليهم يحبوه ويعجبوا به"، ورغم أنه ينجح بالفعل بشكل يُثير دهشة واستغراب "مو" لكنه في النهاية رغم مشاهد الاستقواء على المرأة نراه منسحقا قليل الحيلة أمام البلطجي وفي القسم أيضاً.

    بذرة البلطجي والأمل

    نختتم مقالنا بتساؤل حول جملة "مفيش أمل" التي يُؤكدها بذرة البلطجي ممسكاً بسيفه أثناء تحرشه بالمخرج والسائق وترويعه لهما، والذي نكتشف أنه كان يستغل توتو ويرسل إليها ديَّانَتَهُ، ليستمتعوا بجسدها مقابل إسقاط ديونه، ولا مانع أن يقفز من الشباك وقت اللزوم ليطفئ احتياجه هو أيضاً.

    فهل حقاً "مفيش أمل"؟! الحقيقة التي يُقرها الفيلم بلقطاته البارعة والجميلة للقاهرة، وبنهايتيه سواء بالفيلم الخيالي أو من خلال تفاصيل الحياة الواقعية بالفيلم الأساسي الحاوي، فنحن نشاهد فيلما داخل فيلم بطريقة مبتكرة. كل ذلك يقول بوضوح إن الأمل ما زال قائما، إن كثيرا من أفراد هذا الشعب لا يزالون "يعافرون"، وقادرين على الاستمتاع بالحياة رغم كل مبررات الذل والهوان، والقهر، والأظرف أنهم ما زالوا قادرين بشكل مثير للدهشة والإعجاب على التحايل على الصفعات الموجهة لهم، والسخرية منها، بل والرد عليها أحياناً بصفعات أخري متوارية، ساحرة.

     

    إعلان

    إعلان

    إعلان