• محاكم تفتيش جامعة السويس

    محاكم تفتيش جامعة السويس

    خليل العوامي
    07:01 م الإثنين 11 يونيو 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    في دفاع الفيلسوف والكاتب الفرنسي فولتير (1694-1778) عن قيمة حرية الرأي والتعبير قال مقولته الشهيرة " قد أختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد أن أموت دفاعاً عن رأيك"، وهي مقولة تعبر عن فلسفة الوجود والتعايش المشترك وسبل التقدم لأي أمة.

    ورغم أن فولتير واحد من رموز عصر النهضة الأوروبية، وعاش فيما تلا العصور الوسطى الظلامية بما شهدته من محاكم تفتيش قمعية أودت بحياة الكثيرين من المفكرين والفلاسفة، إلا أنه ناله بعض التنكيل سواء بالسجن أو النفي خارج البلاد بسبب مواقفه.

    وفي تاريخ الدولة الإسلامية لم يختلف الأمر كثيرا عن أوروبا في العصور الوسطى، فقد شهدت الدولة الإسلامية مئات الحالات من التكفير للعلماء والمفكرين والفلاسفة والشعراء، وتعرض كثير منهم إلى أبشع صنوف العذاب والسجن والنفي والقتل والحرق والصلب، وكل ذلك أخذا بالظن والتفتيش في النوايا، أو بالأحرى فإنه كان عقابا على مجرد الاختلاف مع الحاكم، أو القول برأي لا يوافق هواه، فكم من حكام سفكوا الدماء تحت ذريعة حماية الدين، والدين منهم براء، ومنحوا أنفسهم لقب أمير المؤمنين وهم لا يستحقونه.

    تذكرت كل هذا وأنا إتباع قرار مجلس تأديب جامعة السويس بعزل الدكتورة منى برنس الأستاذ بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، بذريعة خروجها عن مقتضى الوظيفة الجامعية، وتجاوزها حدود الحرية الشخصية إلى مخالفة قانون تنظيم الجامعات بنشرها سلوك الرقص للعامة، من خلال فيديو راقص لها على صفحتها الشخصية على فيس بوك.

    ورأت الجامعة الموقرة أن سلوك منى برنس يخالف قانون الجامعات الذي يلزم عضو هيئة التدريس بالحفاظ على سلوكه وحسن السير والسمعة، وأنها تشغل وظيفة لها هيبتها ومكانتها، وما فعلته يعد سلوكا مشينا، وغير مقبول، يؤثر بشكل سلبي على مكانة هذه الوظيفة.

    الحقيقة أن مبررات جامعة السويس لعزل منى برنس لا تختلف كثيرا عن مبررات التنكيل بأصحاب الرأي المخالف في أوروبا العصور الوسطى، أو في فترات الاضمحلال في تاريخ الدول الإسلامية، فالتنكيل في الحالات الأولى كان بذريعة حماية الدين والمعتقدات، والتنكيل الآن بذريعة حماية القيم والأخلاق، وهيبة الوظيفة الجامعية. إلا أن السبب الحقيقي في جميع الحالات ومع اختلاف العصور هو رفض الآخر، وعدم احترام حرية الرأي والتعبير، ورغبة البعض في تنصيب أنفسهم حماة لكل شيء بالباطل.

    والحقيقة الثانية أن الجامعات مكان للعلم والبحث العلمي، والبحث العلمي هو أساس أي تقدم ونهضة حقيقة بصورة عامة، وأبرز مقومات تقدم الجامعات على مستوى العالم، بصورة خاصة، وهو قائم بالأساس على حرية التفكير، وإطلاق المجال للإبداع والخيال، ومثل هذا المناخ السائد في جامعة السويس الذي يعاقب أستاذة جامعية لمجرد نشرها فيديو راقص، لا يتيح حرية تفكير أو إبداع أو بحث علمي أو تقدم، وليس أدل على ذلك من خلو قوائم ترتيب الجامعات عالميا من اسم جامعة السويس.

    أما الحقيقة الثالثة، فإن السلوك المشين لعضو هيئة التدريس قد يكون الإهمال في عمله، أو الاستخفاف بمستقبل الطلاب، أو التقصير في التحصيل العلمي وتقديم بحوث ذات قيمة عالمية، والأمر المشين هو مستوى خريجي الجامعات المصرية، وتراجع ترتيب تلك الجامعات عالميا، وتدني أجور أساتذة الجامعات، والتصرف المشين هو عزل أستاذة جامعية لمخالفتها المنظومة القيمية الرجعية للقائمين على الجامعة، في تصرف لا يختلف كثيرا عن تصرف إدارة جامعة تنتمي لحزب النور السلفي.

    وأخيرا، فإن الدكتورة منى برنس أعلنت أنها ستلجأ للقضاء الإداري طعنا على قرار الجامعة، فماذا لو أنصفها القضاء وألغى قرار عزلها؟ هل سيعترف رئيس الجامعة بالخطأ ويستقيل، أم سيماطل في تنفيذ الحكم، لأنه ضد أفكاره وتصوراته الشخصية عن القيم والأخلاق؟

    إعلان

    إعلان

    إعلان