• كرامة المصريين

    كرامة المصريين

    خليل العوامي
    07:00 م الإثنين 30 أبريل 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    خلال عامين، قمت بثلاث زيارات، لمسقط رأسي، في قرية دلجا، بمركز ديرمواس، محافظة المنيا، وبين موضوعات كثيرة دار حولها نقاش مع الأقارب والأصدقاء، كان الموضوع المشترك في الزيارات الثلاثة هو الحديث عن النساء الأرامل والمطلقات والمعيلات اللواتي لم يكن لهن أي مصدر دخل سوى عطايا الأقارب، وإحسان أهل الخير، وفجأة أصبح لديهن راتب شهري، تذهب كل واحدة منهن أول كل شهر، مرفوعة الرأس، لتحصل عليه دون خجل، وتنفق منه على نفسها أو أولادها دون حرج، بعدما كانت تمد يدها طالبة العون ممن يمنح مرة ويمنع أخرى.

    ليست النساء فقط اللواتي اختلفت حياتهن، وإنما كثير من كبار السن، وذوي الإعاقة، والأيتام، ممن ليس لديهم دخل، جميعهم تحول شعورهم من مجرد كائنات تتنفس، دون أن يشعر بهم أحد، إلى مواطنين في دولة تحترم حقوقهم، وتحفظ عليهم كرامتهم، لقد حول هذا الراتب، وإن كان بسيطا، من خلال برنامج "كرامة وتكافل" هؤلاء المصريات والمصريين إلى مواطنين تشعر بهم الدولة، وتسعى للحفاظ على كرامتهم، بقيامها بواجبها نحوهم، وضمان الحد الأدنى من سبل العيش لهم.

    فبين معايير كثيرة تقيس مدى قوة ونجاح الدول وتقدمها، يبرز العامل الاقتصادي الذي ينعكس على حياة المواطنين، فضلا عن جودة الخدمات المقدمة للسكان، وعدد من تغطيهم هذه الخدمات، بالإضافة إلى مدى قدرة الدولة على توزيع عوائد النمو بصور عادلة، لتحقيق تنمية شاملة ومتواصلة، ومد مظلة حماية اجتماعية فاعلة لمن تحت خط الفقر، والمواطنين الأولى بالرعاية.

    إن معدلات نمو مرتفعة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما الغاية هي تحقيق تنمية حقيقية وشاملة، تضم القطاعات الأوسع من المواطنين، وهذا أمر مرتبط بصورة كبيرة بقدرة الدولة على توزيع عوائد هذا النمو على أكبر قاعدة من مواطنيها.

    وبنفس الطريقة فالإصلاح الاقتصادي ليس رفاهية، وإنما- وفي حالات كثيرة، ومنها مصر- يعتبر ضرورة لا بديل عنها، والمهم هنا هو أن يكون إصلاحا عادلا، تجني الأغلبية من المواطنين ثماره، ويتحمل الجميع الأعباء الناتجة عنه، كل حسب قدرته، مع امتلاك الدولة الرؤية والأدوات للتدخل بالطريقة المناسبة لحماية الفئات المستحقة للحماية عبر برامج حمائية فاعلة.

    ومع وجود 27.8% من المصريين تحت الفقر، لا يستطيعون الوفاء بمتطلبات الحياة الأولية من مأكل وملبس وخلافه- وفقا لمؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بنهاية يونيو 2017- ومع الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات مع بدء تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي سبتمبر 2016، وخفض الدعم على المحروقات والكهرباء والمياه، تتزايد الحاجة إلى هذا النوع من البرامج الحمائية، بما يضمن الحفاظ على استقرار المجتمع ومنع تفاقم المشكلات الكبرى.

    وفي هذا الإطار فقد خصصت الحكومة 332 مليار جنيه في موازنة العام المالي الجديد 2018-2019 للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، يدخل تحتها دعم السلع التموينية، والخبز، والمحروقات والمياه والكهرباء، وكذلك الدعم النقدي المشروط عبر برنامج " كرامة وتكافل "وهو ما يهمنا في هذا المقام.

    لقد بدأت الدولة في مارس 2015 ممثلة في وزارة التضامن تنفيذ برنامج حمائي طموح هو "كرامة وتكافل" لتقديم دعم نقدي مشروط للأسر والأفراد وكبار السن الذين يفتقدون أي مصادر للدخل، وذوي الإعاقة ممن تزيد إعاقتهم عن 50 %، أضيف لمشروع الأيتام في يناير 2017.

    وعلى مدار 4 سنوات استطاع البرنامج أن يحقق نقلات نوعية في المجتمع المصري، حيث غطى أكثر من 2 مليون و100 ألف مستفيد، حتى الآن، يتوقع زيادتهم إلى 2 مليون و850 ألفا بنهاية العام المالي الجاري يونيو 2018، ليرتفع الرقم إلى 3 ملايين و200 ألف مواطن خلال العام المالي القادم، وفق ما أوردته وزارة المالية في مشروع موازنة 2018-2019.

    وقد وتجاوز إجمالي ما تم صرفه من دعم للمستفيدين من البرنامج منذ إطلاقه وحتى إبريل 2018 مبلغ 18 مليار جنيه.

    ** وبالطبع فإن معظم المستفيدين يعولون أسرهم، مما يرفع عدد المستفيدين من البرنامج بصورة كبيرة، قدرته وزيرة التضامن غادة والي بحوالي 10 ملايين مواطن.

    الحقيقة أنني لا أبالغ إذا قلت إن برنامج "كرامة وتكافل" هو البرنامج الاجتماعي الأنجح والأفضل للدولة المصرية منذ عقود، ذلك ليس فقط بسبب حجم التغطية التي حققها، وفقا لما ذكرناه من قبل، وإنما للعديد من الأسباب:

    أولا: قدرة المشروع على ربط الدعم النقدي للأسر في " كرامة" بمدى انتظام أطفال تلك الأسر في التعليم، وتشجيع الأطفال وأسرهم على مواصلة التعليم بمنحهم مبلغا ماليا ثابتا لكل طفل حسب المرحلة التعليمية التي ينتظم فيها، وبحد أقصى ثلاثة أطفال.

    ثانيا: نتيجة ما أظهرته الدراسات الأولية للبرنامج من ارتفاع نسب الإصابة بالأنيميا والتقزم، خاصة في محافظات الصعيد، فقد ألزم البرنامج الأسر المستحقة لمعاش "كرامة" بالخضوع لمتابعة طبية دورية كل ثلاثة شهور، وهو ما يعني ضمان الكشف المبكر عن الأمراض وسرعة التدخل لعلاجها، وتحسين الحالة الصحية بصورة عامة لتلك الأسر.

    ثالثا: يعد البرنامج نموذجا للعمل الحكومي الجماعي، فرغم أن المسؤول الأول والدينمو المحرك للبرنامج هي وزارة التضامن الاجتماعي، إلا أن وزارات التعليم والصحة والتخطيط والزراعة والداخلية شركاء في النجاح، ولكل وزارة دور في غاية الأهمية، ما كان للبرنامج أن يحقق هذا النجاح بدونه.

    رابعا: يعتبر البرنامج نموذجا للعدالة والإتاحة للجميع، ممن تنطبق عليهم الشروط، من حيث تطبيق قواعد عامة مجردة للاستحقاق دون وساطة أو محسوبية، بل إن القائمين على البرنامج هم الذين يسعون لضم المستحقين إليه، والوصول إليهم أينما وجدوا في القرى والنجوع، وليس أدل على ذلك من تغطية البرنامج للمستحقين في 5630 قرية موزعة على 345 مركزا في جميع محافظات الجمهورية.

    خامسا: يتمتع البرنامج بآلية متابعة دقيقة، حيث تتم مراجعة المستفيدين بصورة دائمة واستبعاد من لا يستحق، مع مرونة التظلم والعودة مرة أخرى.

    وأخيرا، فقد يكون حجم الدعم الذي يقدمه "كرامة وتكافل" ليس كافيا- وهو كذلك بالفعل- وأعتقد أن الدولة تدرك ذلك، وتعمل على تطوير البرنامج، وزيادة مخصصاته، ولكنه وبلا شك، خطوة مهمة على الطريق يمكن البناء عليها، ونقلة نوعية في تعاطي الدولة مع المواطنين الأولى بالرعاية، بصورة خاصة، وقضايا الدعم بصورة عامة، ويظل اللبنة الأولى للتحول الكلي لنظام الدعم النقدي، ووقف نزيف الدعم المستمر منذ عقود.

    إعلان

    إعلان

    إعلان