مباراة كرة أم خناقة في حارة

مباراة كرة أم خناقة في حارة

د. جمال عبد الجواد
07:00 م الجمعة 27 أبريل 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

استمتعنا الثلاثاء والأربعاء بمباريات نصف نهائي أبطال أوروبا، أما يوم الخميس فكان مفروضاً علينا أن نشاهد الأهلي والزمالك. الزمالك فاز، مبروك للزملكاوية، لكن هل ما شاهدناه كان فعلاً مباراة كرة قدم، أم شيئاً آخر؟ ما كل هذه العصبية التي يتصرف بها اللاعبون؟ ما كل هذا الغل والترصد والتحفز؟ من المفهوم أن "تنفسن" الجماهير بعضها على بعض، ونرى هذا على شبكات التواصل الاجتماعي طوال الوقت، ولكن هل من المقبول أن يتصرف اللاعبون في الملعب بنفس الطريقة؟ وهل هذه هي الطريقة التي يتصرف بها لاعبون محترفون اتخذوا من الكرة مهنة لهم؟

كنا نظن أن مشاهدة روائع الكرة العالمية كفيل بتحسين أداء اللاعبين، وأنه كفيل بإثارة الغيرة من هؤلاء اللاعبين الرائعين القادمين من كل بلاد العالم للعب في الدوريات الأوروبية الكبرى، فيسأل اللاعبون عندنا أنفسهم: لماذا لا نكون مثل هؤلاء؟

كنا نظن أن نجاح المصري الرائع محمد صلاح في التفوق على أعظم لاعبي العالم في الدوريات الأوروبية المختلفة كفيل بتشجيع الآخرين من بني جلدته المصريين للتصرف باحترافية. لاعب الكرة المحترف لا يكره ولا يترصد ولا يتعصب؛ هو فقط يلعب الكرة، أولاً لنفسه، فكلما تحسن أداؤه كبرت ثروته؛ وثانياً للنادي الذي يدفع له راتبه؛ وثالثاً للجمهور الذي يدفع ثمن كل هذا في شكل تذاكر ومبيعات وإعلانات.

ما حدث في مباراة الخميس لم يكن مجرد تصرفات سخيفة في مباراة كرة، لكنه كان ضوءاً كاشفاً لجوانب مهمة في ثقافتنا وشخصيتنا الوطنية. فمجرد العلم بوجود طرق أفضل للأداء ومستويات أرقى للإنجاز لا يكفي لدفعنا إلى التصرف بطريقة مختلفة؛ ومقارنتنا بالآخرين الأفضل حالاً منا لن تساعدنا كثيراً في تحقيق التقدم.

نحن نحب مقارنة ما يجري في بلادنا من مستويات نظافة ونظام وفساد وكفاءة بما يجري في بلاد العالم المتقدمة، ونتعجب لماذا لا يتصرف المسئولون عندنا مثل هؤلاء اليابانيين والأوروبيين والأمريكيين المحترمين. لو علمنا لماذا لا يتصرف لاعبو الكرة عندنا مثل اللاعبين المحترمين في البطولات الأوروبية، لعلمنا لماذا لا يتصرف المسئولون عندنا مثل أقرانهم الخواجات؛ فالأمر لا يتعلق بتصرفات الأفراد، لكنه يتعلق بنظام اجتماعي وثقافي كامل، ما أن يدخل الفرد فيه إلا ويجد نفسه منساقاً للتصرف بهذه الطريقة الفاسدة، التي ننتقدها جميعاً، ولكننا نعجز عن تغييرها.

جانب كبير من السخافة التي شاهدناها في مباراة الخميس ناتج عن تعيين حكم مصري لإدارة المباراة. هذا القرار رائع، ولا بد من التمسك به في كل المباريات القادمة. لا أذكر آخر مرة تولى فيها مصري تحكيم مباراة للأهلي والزمالك. ربما كان الحكم السكندري "الديبة" هو آخر مصري تولى هذا المهمة في مباراة الفريقين عام 1972.

فقدان الثقة في حكام الكرة المصريين، هو نموذج مصغر لفقدان المصريين الثقة بعضهم في بعض. فالمصري– عادةً– لا يثق في أن المصري الآخر يقول الصدق، وأنه يصدر أحكامه ويقول آراءه بنزاهة وحياد وتجرد عن الهوى. المصري العادي يحب "التحوير"، ويعتبر ساذجاً إذا قبل بما يقوله الآخرون كما هو، دون بحث في الدوافع الشريرة الكامنة وراءه. حكم الكرة المصري هو واحد منا، والمؤكد أن وراء قراراته التحكيمية أغراضاً خبيثة، ولابد من الاعتراض على كل قرار يصدره لإيقافه عند حده، وإلا تمادى في شره.

حكم الكرة هو صاحب السلطة في الملعب، ونحن لا نحترم السلطة عندما تكون في يد واحد منا. السلطة في ثقافتنا يجب أن تكون بعيدة عنا، متعالية علينا، وعندها فقط نقبل بالانصياع لها. هل هذا يفسر لماذا قاد السيد عمر مكرم ثورة المصريين، لكي يسلم السلطة للقائد العسكري الألباني محمد علي؟ هل لهذا صلة بإخفاقنا في تحقيق الديمقراطية رغم كلامنا الكثير عنها؟ هل لكل هذا صلة بأن الديمقراطية مازالت حلماً مؤجلاً في مصر، وأن التقدم الذي نطمح إليه لن تحققه سوى سلطة قوية فيها استبداد، لكن فيها استنارة وعدل أيضاً.

إعلان

إعلان

إعلان