• الأبنودي شاعر ملْحِ الأرض

    الأبنودي شاعر ملْحِ الأرض

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 22 أبريل 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    المكان مدينة قنا في صعيد مصر. الزمان نهاية عام 1959. الحدث لقاء تعارف يتم لأول مرة بين ثلاثة فتيان لم يتجاوز عمر أكبرهم العشرين، لكن الأحداث القادمة ستجعل لهم دوراً عظيمًا في صياغة الوجدان المصري والعربي والتعبير عنه طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وهم: أمل دنقل، يحيى الطاهر عبدالله، وعبدالرحمن الأبنودي.

    ثلاثة فتيان حالمون، سمر الوجوه، نحاف الجسد، طوال القامة كنخيل الصعيد الحزين، وأرواحهم قلقة متوثبة، ووعيهم يقظ، وإرادتهم صخرية لا تنثني، وأحلامهم كبيرة وشبه مستحيلة، عبر عنها أمل دنقل لاحقًا عندما قال: "فالجنوبي يا سيدي/ يشتهي أن يكون الذي لم يكنه/ أن يلاقي اثنين/ الحقيقة والأوجه الغائبة".

    والثلاثة مهتمون بالأدب والشعر والثقافة؛ فالأبنودي منشغل بالموروث الشعبي، ويحيى الطاهر شغوف بكتابات العقاد والمازني، وأمل دنقل مهتم بالتراث الأدبي الجاهلي والإسلامي. وقد عقد الشبان الثلاثة العزم بعد أن توثقت العلاقة بينهم على الهجرة شمالًا والانتقال بأحلامهم الأدبية إلى القاهرة؛ فسافر إليها الأبنودي عام 1962 معلقًا على كتفه رباباته الحزينة، وسافر أمل دنقل في العام ذاته إلي الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة، وفي عام 1964 لحق بهما يحيى الطاهر عبدالله.

    وفي القاهرة أعادوا اكتشاف ذواتهم وموهبتهم، وسعوا لإثبات حضورهم، لكنهم وجدوا القاهرة مدينة قاسية، تأكل أرواح قاطنيها، فعاشوا فيها تغريبة الجنوبي الحالم في مدينة بلا قلب– كما أسماها أحمد عبدالمعطي حجازي- عُزلاً من كل شيء، سوى أحلامهم في المجد الأدبي، وصلابة الصعيدي الذي لا يقبل التنازل عن حلمه، وما يرى أنه جدير به، معهما كانت الصعوبات والتحديات.

    ولهذا أصبحت القاهرة ميدانًا لمعركتهم الكبرى في سبيل تحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم وتكريس إبداعهم وأسمائهم في المشهد الثقافي المصري. ورغم كل ما صادفوه فيها من معوقات، إلا أنهم واجهوها بإصرار وشجاعة الفرسان، ونجحوا في صنع أسطورتهم الخاصة، وحفروا لأنفسهم مكانة بارزة في وجدان الجماهير المصرية والعربية.

    لكن الريح لم تأتِ لهم بما تشتهي سفنهم، فبعد طول معاناة وكفاح، وحين حان أوان قطف ثمار الرحلة المضنية، يرحل فجأة يحيى الطاهر عبدالله يوم 9 في أبريل عام 1981، إثر حادث سيارة على طريق الواحات، وهو في سن الثالثة والأربعين. وفي نفس التوقيت يصاب أمل دنقل بالسرطان، ويعاني من أوجاعه لمدة ثلاث سنوات، ليرحل عن عالمنا في مايو 1983.

    ويمتد الأجل بثالث الثلاثة قي تلك الدوحة الجنوبية المبدعة، عبدالرحمن الأبنودي، ليصبح ابن الجنوب الأسمر، شاعر الوطن والجذور، والحارس الأمين على التراث الشعبي المصري، ولتشهد قصيدة العامية على يديه مرحلة انتقالية مهمة تنجح من خلالها في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية.

    ولعل أهم ما ميز كتابات عبدالرحمن الأبنودي أنه التقط ببراعة فائقة الخواص التعبيرية العبقرية لناسه وأهل بيئته في صعيد مصر، ثم ضمنها في شعره وأغانيه. كما استطاع أن يُجسد مشاعر المصريين في كل المناسبات الوطنية، وأن يعبر عن طموحاتهم وأمانيهم وأفراحهم وأحزانهم في كل جوانب ومراحل حياتهم.

    ولهذا عُد الأبنودي شاعر ملْحِ الأرض من المصريين؛ وهم عامة الشعب الذين يقوم على أكتافهم دائمًا عبء معارك التحرير والتعمير والبناء، والذين يمنحون الحياة في بلادنا معنى ومذاقاً، ولا يمكن أن تستقيم الحياة من دونهم، ولذلك نربط بينهم وبين ملح الطعام الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

    ورغم أن الدولة كرمت الأبنودي في سنوات عمره الأخيرة، ومنحته أكبر جوائزها، وهي جائزة مبارك في الآداب، إلا أن الجائزة الحقيقية التي حصل عليها الأبنودي حيًا وميتًا، هي جائزة "حب المصريين"، وقد نالها بفضل مكانته الكبيرة في قلوب أبناء هذا الوطن، لأنه كان دومًا لسانًا لحالهم في انكساراتهم وانتصاراتهم، وأفراحهم وأحزانهم.

    رحم الله الغائب الحاضر "الخال عبدالرحمن الأبنودي" الذي مرت في الحادي والعشرين من الشهر الجاري الذكرى الثالثة لرحيله. ورحم الله رفيقي حياته ودربه، شاعر القصة القصيرة يحيى الطاهر عبدالله، والشاعر الجنوبي المبدع أمل دنقل.

    إعلان

    إعلان

    إعلان